عقد في بغداد في العاشر من الشهر الماضي على مستوى السفراء المؤتمر الدولي حول الأمن والاستقرار في العراق شارك فيه ست عشرة دولة وهيئة منها دول الجوار والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن وبعض الهيئات الدولية الأخرى ذات العلاقة، وانتهى إلى تشكيل ثلاث لجان على مستوى الخبراء مهمتها وضع قواعد للتعاون والتنسيق الأمني وتفعيل الاتفاقات السابقة في هذا المجال للمساعدة في مكافحة الإرهاب ومنع التسلل وضبط الحدود.

ويعقد في القاهرة يومي 3 و4 مايو مؤتمران موسعان على مستوى الوزراء أحدهما لإطلاق مبادرة (العهد الدولي للعراق) ويدرس الوثيقة المسماة باسمه وهي كما يُزعم خطة خمسية لترميم الاقتصاد العراقي أطلقت في شهر يوليو الماضي باتفاق بين بغداد والأمم المتحدة بدعم من البنك الدولي،

وتشارك في المؤتمر دول الجوار والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وممثلون عن الدول الصناعية الثماني وهيئات دولية أخرى، والمؤتمر الثاني هو استكمال للمؤتمر الدولي حول الأمن والاستقرار المشار إليه أعلاه، والذي هيأ شرطاً موضوعياً لالتقاء ممثلي سوريا وإيران في المؤتمر مع السفير الأميركي في بغداد بعد انقطاع مثل هذه اللقاءات أكثر من سنتين، ويشارك في المؤتمر الأعضاء أنفسهم الذين شاركوا في مؤتمر بغداد ولكن هذه المرة على مستوى الوزراء.

يبدو أن إدارة الرئيس بوش لا تريد إعلان فشلها في العراق، فخطتها الجديدة لا توحي مراحلها الأولى ببوادر نجاح، وتريد أن تدعم هذه الخطة بالاستعانة بالدول الأخرى والمنظمات الدولية دون الاعتراف لهذه بالفضل أو الاستنجاد العلني بجهودها من خلال دعوة المؤتمرات الأمنية والاقتصادية وغيرها لبحث شؤون العراق وإشراك الآخرين في حل الأزمة أو تخفيفها على أقل تقدير، وليس أفضل من مثل هذه المؤتمرات للقيام بهذا الدور.

تحاول الإدارة الأميركية الاستفادة من هذه المؤتمرات في مجالات ثلاثة: أولها: إقناع الرأي العام الأميركي والعالمي أن الحراك السياسي في العراق ومن أجله قائم والاهتمام العالمي مستمر وبالتالي فإن القضية ليست أميركية صرفة بل عالمية، ولابد لدول العالم ومنظماته من الوصول إلى تهدئة الحال في العراق وتحقيق الأمن والاستقرار، والتأكيد أن الاهتمام العالمي لا يقل عن الاهتمام الأميركي بهذه القضية، فضلاً عن إشراك المنظمات الدولية وبعض الدول التي لم تكن موافقة على غزو العراق في حل المعضلة.

وثانيهما: استخدام هذه المؤتمرات وسيلة للعودة غير المباشرة عن مقاطعة إيران وسوريا وإيجاد قنوات للتواصل والحوار لا توحي بالتواصل المباشر ولا بالتراجع عن سياسة الإدارة تجاه هذين البلدين، في الوقت الذي تعقد فيه اللقاءات الثنائية وتُبحث العلاقات وتُطرح وجهات النظر تجاه الأمور المستعصية، فكما حاول طيب الذكر هنري كيسنجر حل مقاطعة الصين وبعض دول المعسكر الاشتراكي في السبعينات بسياسة مباريات كرة الطاولة (سياسة البينغ بونغ) فإن إدارة الرئيس بوش تحاول حلها بسياسة عقد المؤتمرات وإجراء اللقاءات على هامشها.

وثالثها: تحاول الإدارة الأميركية من خلال مثل هذه المؤتمرات أن تلقي بعض أعباء العراق الاقتصادية والأمنية أيضاً على عاتق دول أخرى وهيئات دولية، وبذلك تشرك الآخرين في تحمل الأعباء وتنفرد هي بالقرار السياسي وبالغنائم، وتتخذ من مثل هذه المؤتمرات خيمة تغطي أهدافها ومخرجاً سالكاً ينقذها من وحل العراق الحالي والمحتمل.

هل تحل هذه المؤتمرات الأزمة العراقية المستعصية؟ دون الخوف من التشاؤم أو الوقوع في حبال التفاؤل الواهية، يمكن القول بأن مثل هذه المؤتمرات لن تحل الأزمة العراقية ولن تخفف من وطأتها، ذلك لأن أهدافها لا تتعلق بحل المشكلة العراقية بالدرجة الأولى بل بحل المعضلة الأميركية والأخطاء الأميركية منذ احتلال العراق، فهذه المؤتمرات هي في الواقع هروب إلى الأمام وتجنب مواجهة المشاكل مواجهة مسؤولة ومخلصة، لأنها تبحث عن الحلول في الخارج أولاً ولدى من ليس لديهم مثل هذه الحلول ثانياً.

ـ فهل هذه المؤتمرات قادرة مثلاً على إعادة النظر بدستور العراق وبالتركيبة الطائفية للنظام التي سنها (بول بريمر) وكرستها السياسة الأميركية خلال السنوات الأربع الماضية، وضمنها الدستور بكل شرورها حتى كادت تصبح من المسلمات يتمسك بها السياسيون العراقيون القائمون على رأس السلطة ولا يريدون التخلي عن شيء منها لأنها تؤمن مصالحهم الشخصية والحزبية وتتيح لهم نهب البلاد وحكمها. ومن المستحيل تحقيق الأمن والاستقرار دون إعادة النظر هذه.

ـ وهل هذه المؤتمرات قادرة على وقف تفشي الفساد في العراق حيث يحتل العراق الدرجة الثانية بين دول العالم في الفساد (حسب منظمة الشفافية العالمية)، خاصة وأن أحزاباً بكاملها لا تستطيع أن تستمر بدونه، وسياسيون (كباراً) غارقون في مستنقعاته حتى آذانهم، إلى الدرجة التي يسرقون فيها ليس موازنة الدولة وأموال مشاريعها فقط (قُدرت السرقات بـ 60 مليار دولار) بل نفطها الخام المستخرج، وهذا لا مثيل له في أي بلد في العالم.

ـ وهل يمكن الزعم أن مثل هذه المؤتمرات قادرة على إيقاف الحرب الطائفية القائمة والأهلية المحتملة وتحقيق الأمن والاستقرار للعراقيين؟ ـ وأخيراً هل تستطيع هذه المؤتمرات أن تؤمن الخدمات للشعب العراقي بما في ذلك لقمة العيش والماء والكهرباء والمحروقات وغيرها؟

من البديهي القول ان مثل هذه المؤتمرات مهما كان شأنها لا تستطيع حل الأزمة العراقية ولا المأزق الأميركي في العراق، وكل ما تفعله أو ما ستفعله هو رش الرماد في العيون وتأجيل تفجر الأزمة فهي وحسب كل الاحتمالات هروب إلى الأمام، ويلاحظ من جهة أخرى أن المشاركين في هذه المؤتمرات مستفيدون منها أيضاً تحقيقاً لمصالحهم الخاصة واستجابة لحساباتهم الخاصة، ودون سرد الأسماء والإشارة إلى مصالح كل منهم، فإن مصالح العراق وشعب العراق تقع في ذيل قوائم أولوياتهم.

في ضوء هذا كله فإن حال من ينتظر أن تضع هذه المؤتمرات الحلول بما يؤدي (للانفراج) كمن ينتظر المستحيل، لأن الحلول الحقيقة تقع داخل العراق وترتبط بقرارات الشعب العراقي نفسه لا بالنيابة عنه.

كاتب سوري