ثمة جدل لا يتوقف على مدار الوقت بشأن وظيفة ودور الإعلام وخصائصه إزاء جمهور المتلقين في زمن الفضاءات المفتوحة . البعض يعتقد أن وسائل الإعلام تشكل مرآة عاكسة لواقع المجتمع الذي يعيش فيه ويتابع أحداثه وتطوراته دون أن يلحظ الدور التقدمي الطلائعي للإعلام بوصفه فصيلة واعية وجزءا فاعلا من المبنى الثقافي والمعرفي، والجزء الذي ينطوي على ممكنات كبيرة ويومية في إطار صياغة العقل المجتمعي.
بعض آخر يرى بأن دور ووظيفة وسائل الإعلام يرجح نحو المساهمة في صياغة الأحداث، وترجمة السياسات العامة للقوى المسيطرة، ما يجعل للإعلام دوراً تبعياً وتسويقياً للسياسة، فيما تصبح مهمة تلبية متطلبات المجتمع أمراً ثانوياً، خصوصاً في زمن الأزمات والصراعات الكبرى.
وبين هذا وذاك تبشر النظريات الليبرالية، بإطلاق خصائص ومواصفات غير منطقية تشكك في صدقيتها العديد من الوقائع لوسائل الإعلام فيجري الحديث بصورة مسهبة، عن الحيادية، والموضوعية، والنزاهة واحترام حقوق المواطن في المعرفة والوصول إلى المعلومات، وحرية التفكير والتعبير.
لا نقصد بطبيعة الحال أن نقدم مرافعة نظرية لنؤكد أن وظيفة الإعلام تمزج بين أنه يعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً معيناً وفي الوقت ذاته يشترك في صياغة مستقبل المجتمع، أي أنه يعكس مجريات الأحداث ويساهم في صناعتها، وإنما أردنا تقديم صورة الإعلام الفلسطيني كنموذج حي وواقعي لدور الإعلام وخصائصه خلال حدث معين في زمن ومحددات معينة.
يطفو على سطح تقييمات الوضع الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة مصطلح الفلتان الأمني وفوضى السلاح، ويستفيض الجميع في ملاحقة الأحداث التي تتصل بهذا العنوان وتبحث في أسبابه وتداعياته غير أننا ككتاب فلسطينيين ما ندر أن تناولنا مصطلح الفلتان الإعلامي، وحالة الإعلام الفلسطيني ارتباطاً بالأحداث التي مر بها المجتمع الفلسطيني خصوصاً خلال مرحلة الصراع الداخلي الدامي المرير الذي لم يتوقف حتى بعد اتفاق مكة في الثامن من فبراير الماضي من هذا العام .
إذا أردنا أن نترجم مصطلح الفلتان الأمني، فإن علينا أن نرى بأنه عنوان فرعي لظاهرة واسعة وشاملة من الفلتان والفوضى، تشمل الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والأمني، والنفسي والإعلامي مما يعني أن الفلسطينيين يعيشون منذ بعض الوقت أزمة شاملة وعميقة تستدعي حلولاً شاملة وعميقة تحتوي إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني برمته وليس فقط بناء حكومة وحدة وطنية يأمل الفلسطينيون أن تؤدي إلى وقف الاقتتال ورفع الحصار أو تخفيفه.
على الصعيد الإعلامي يجري الحديث عن أكثر من ثمانين محطة تلفزيونية وإذاعية، ما يفوق عددها في دولة ديمقراطية كلُبنان الذي رغم كثرة طوائفه وأحزابه، فإن عدد المحطات الإذاعية الأربع عشرة محطة، وإلى درجة لفتت نظر الاتحاد الأوروبي للمحطات الإذاعية، الذي اضطر لمخاطبة وزارة الإعلام الفلسطينية وعن انتهاكات واسعة لقانون المطبوعات.
ثمانون محطة تلفزيونية وإذاعية من بينها فقط قناتان تلفزيونيتان للسلطة هما القناة الأرضية والأخرى الفضائية، واللتان تتقاطع برامجهما إلى حد يقرب من التطابق، ولمحطتين إذاعيتين، فيما تتوزع بقية المحطات على الأحزاب، والفصائل، وأسماء ومسميات تتبع الكثير منها بصورة غير مباشرة الفصائل رغم المحاولات الدائمة لإظهار استقلاليتها، وبعضها الآخر في إطار الاستثمار الشخصي، أو المؤسسي.
إذا أخذنا في الاعتبار أن فلسطين هي منطقة حدث ساخن معظم الوقت مما يعني وجود عدد كبير من مراسلي وصحافيي محطات تلفزيونية وإذاعية، ووكالات أنباء عربية ودولية، فإن بوسعنا أن نتصور في ظل غياب النظام والقانون، أي فوضى إعلامية تسود الأراضي المحتلة، ومدى تأثير هذا الكم الكبير والنوعي ومتعدد الولاءات والأغراض على الرأي العام الفلسطيني، وهو رأي عام يفتقر عموماً إلى التبلور.
وإذ يبدو الأمر واسعاً مما يحتاج مقام آخر لتقديم معالجات وافية وناضجة فإننا نعود ونحصر الحديث عن دور وسائل الإعلام الفلسطينية والتي لعبت دوراً بارزاً رافق على نحو واضح فصول الأزمة وما ظهر من حلول جزئية لها.
من الواضح أن قانون الصراع على السلطة السياسية الذي طغى على الحياة السياسية خلال السنة الأخيرة، اتخذ أشكالاً مختلفة، واستخدمت في خوضه وسائل مختلفة، كان من أبرزها استخدام السلاح في فض المنازعات الداخلية، مما أدى إلى الاقتتال، وتعريض السلم الأهلي للخطر، هذا القانون شكل العامل الأساسي في تحديد وتوجيه وسائل الإعلام وأدوار الصحافيين .
فلقد انخرطت معظم وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في الصراع، رافقته وعكست خصائصه، بحيث لاحظنا الانتقالة المفاجئة والسريعة للخطاب الإعلامي من المساهمة الفعالة في التحريض، والتحشيد، والهبوط باللغة والمصطلحات إلى حد توجيه الاتهامات، والتكفير، وتعميق العصبوية الفكرية والسياسية، إلى استخدام لغة ومصطلحات توافقية بعد توقيع اتفاق مكة، وفيما بدا انحياز معظم وسائل الإعلام المحلية خصوصاً الإذاعية والتلفزيونية لصالح هذا الطرف أو ذاك خصوصاً الطرفين المتقاتلين، وغياب الموضوعية والإيجابية عن الخطاب الإعلامي، وتجاوز آداب وأخلاقيات المهنة، فإن أحداً لم يكن معنياً أو قادراً على ضبط هذه الحالة.
بعض أهم القنوات التلفزيونية العربية مثل الجزيرة والعربية، تعرضت بدورها للاتهامات بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك، مما جعلها تتعرض لاعتداءات مباشرة استهدفتها واستهدف صحافييها، كان أبرزها ما تعرضت له الجزيرة من اعتداء في الضفة الغربية على سياراتها ومعداتها، وما تعرضت له العربية من تفجير لمقرها في غزة .
اختطاف الصحافيين الأجانب بما في ذلك المتعاطفين منهم مع القضية الفلسطينية، أخذت أبعاداً خطيرة ومقلقة، كان آخرها اختطاف مراسل هيئة الإذاعة البريطانية آلن جونستون، الذي لم تنجح الجهود في الإفراج عنه منذ اختطافه، في الثامن من مارس الماضي، وهو صاحب أطول فترة اختطاف لأجانب وقعت في غزة خلال السنوات الأخيرة.
وبالرغم من أن عمليات اختطاف الصحافيين تتم في الأغلب بدوافع ولتحقيق أهداف شخصية، فإن تكرار هذه العملية تؤدي إلى الهبوط بمعايير الرقابة الذاتية لدى الكاتب والصحافي، وإلى الحد من دخول الصحافيين الأجانب إلى قطاع غزة لتغطية الأحداث.
الاتحاد الأوروبي أبدى قلقاً شديداً إزاء ظاهرة اختطاف الأجانب وخصوصاً الصحافيين، ويتجه نحو اعتبار قطاع غزة، منطقة خطر شديد، مما يفرض معايير وشروط صارمة جداً تحد من دخول الأجانب إليه،وهو وضع طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقه.
وسائل الإعلام الفلسطينية لم تنج من الانخراط المباشر في عملية الصراع، حيث تعرضت بعضها إلى اعتداءات مباشرة أدت في بعض الأحيان إلى توقف عملها، هذا فضلاً عن إرهاب الكتاب والصحافيين الذين تعرض الكثير منهم إلى تهديد وتخويف وإقصاء وظيفي أو عزل، وبعضهم تعرض لاعتداءات جسدية، وإهانات لفظية، أو فقدوا معداتهم، بما في ذلك التلفزيون الفلسطيني الرسمي الذي تعرضت سيارته للسرقة، وضرب طاقمها في شمال قطاع غزة يوم الثاني عشر من فبراير الماضي، أي بعد توقيع اتفاق مكة.
وبصفة عامة يمكن ملاحظة، تراجع قدرة الكتاب والصحافيين على التعبير صراحة عن أرائهم ومواقفهم، كما تراجعت قدرتهم على توجيه النقد، وفضح المساوئ، وكان عليهم كل الوقت توخي الحذر الشديد، والتغاضي عن الكثير من الأخطاء والخطايا حين تتصل بهذا الفصيل أو ذاك، هذه العشيرة المسلحة أو تلك، هذا الزعيم والمتنفذ أو ذاك .
وفيما ظل البعض يسعى وراء الموضوعية والحيادية وإن بشكل نسبي، سواء بالنسبة للقليل من وسائل الإعلام الفلسطينية أو الكثير من العربية، فإن الإعلام لم ينجح في حماية نفسه، ولم تنجح مؤسساته في حماية الصحافيين، ما جعله يعاني بدوره من فوضى عارمة أطاحت بالكثير من المسلمات وبديهيات الالتزام بجوهر وظيفة الإعلام إزاء استخدام خطاب إيجابي تنموي يساعد في معالجة الأزمات لا مفاقمتها. لقد أوضحت الوقائع العملية أن وسائل الإعلام الفلسطينية كانت إلى حد كبير جزءاً من المشكلة وميداناً لتجلياتها، وإحدى وسائل تأجيجها وليس أداة لمعالجتها والتصدي لها، الأمر الذي يتطلب عملية إصلاح جذرية واسعة، لا يبدو أنها قريبة أو أنها ستكون سهلة.
كاتب فلسطيني