يتنامى لدى البعض اعتقاد خاطئ، بأن المصالح السياسية تأتي في المرتبة الأولى بالنسبة لروسيا،على حساب المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وهذا التصور في حد ذاته من رواسب أفكار ودعاية الحرب الباردة السابقة التي صورت روسيا كعملاق سياسي أيديولوجي عسكري نووي وفي الوقت نفسه ضعيف اقتصادياً ومنهار داخلياً، ويرجع السبب في استمرار هذه الأفكار إلى النقص الحاد في المعلومات لدى الغير عن روسيا ونموها الاقتصادي الكبير في السنوات الست الماضية، وبالتحديد إبان عهد الرئيس فلاديمير بوتين.

لقد أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن المهمة الأساسية للحكومة تتمثل في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بهدف تحسين أحوال الروس المعيشية بصورة ملحوظة. وفي هذا السياق واصلت روسيا تطورها الديناميكي في المجال الاقتصادي والاجتماعي في عام 2006. وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي سجل في عام 2006 نمواً قدره 8, 6% مقارنة بعام 2005 وبلغ 621, 26 تريليون روبل (أكثر من تريليون دولار).

ويؤكد وزير التنمية الاقتصادية والتجارة جيرمان غريف أن زيادة وتائر التنمية الاقتصادية خلال عام 2006 تحققت بفضل ارتفاع الطلب الداخلي الاستهلاكي والاستثماري على خلفية ارتفاع المداخيل الفعلية للمواطنين، وازداد حجم الإنتاج الصناعي في روسيا في عام 2006 بنسبة 4% مقارنة بعام 2005.

وجاء في تقرير وزارة التنمية الاقتصادية والتجارة الروسية حول نتائج التنمية الاجتماعية الاقتصادية في روسيا في العام الماضي أن النمو في استخراج الثروات الطبيعية شكل في عام 2006 نسبة 3 ,2% مقارنة بعام 2005. وارتفع إنتاج النفط بنسبة 1, 2% وبلغ 480 مليون طن (وصلت صادراته إلى 4, 248 مليون طن بانخفاض قدره 2% مقارنة بعام 2005). وازداد انتاج الغاز بنسبة 4,2% ووصل إلى 656 مليار متر مكعب.

وفي المجال الزراعي زاد محصول الحبوب في روسيا في عام 2006 كما تفيد هيئة الإحصاء الفيدرالية بنسبة 3 ,0% وشكل 4 ,78 مليون طن. وأعلن وزير الزراعة الروسي الكسي غوردييف ان محصول روسيا من الحبوب في عام 2006 كاف لسد كل احتياجات البلاد من الحبوب الغذائية والعلف وتبقى إمكانية تصدير ما يقارب 9 ـ 10 ملايين طن. وذكرت وزارة الزراعة الروسية أن حجم إقراض المشاريع الزراعية الصغيرة في روسيا تجاوز في العام المنصرم 4 ,30 مليار روبل (حوالي 2, 1 مليار دولار) مقابل 4,3 مليارات روبل في عام 2005.

وجاء في التقرير الذي أعدته الوزارة عن نشاطها في عام 2006 أن حجم إقراض تلك المشاريع ازداد بحوالي 10 مرات مقارنة بمؤشر العام الماضي. وتجاوز عدد المقترضين في هذا العام 140 ألفاً مقابل 5 ,2 ألف في عام 2005. وأكدت الوزارة أن تنفيذ المشروع الوطني الخاص بتطوير القطاع الزراعي (أحد المشاريع الوطنية الأربعة ذات الأولوية في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والزراعة) أتاح رفع انتاج اللحوم في هذا العام بنسبة 4%. وأشارت إلى تحقيق نمو كبير في إنتاج مزارع الدواجن (16%).

وفي مجال الاستثمار تواصل نمو الاستثمارات في رأس المال الأساسي في روسيا بحيث ازدادت في العام الماضي بنسبة 5 ,13%. وازدادت الاستثمارات المباشرة في عام 2006 بنسبة 55%. وأعلنت الهيئة الفيدرالية الروسية للإحصاء أن حجم الاستثمارات الأجنبية في روسيا بلغ في أواخر سبتمبر الماضي 130 مليار دولار، ليسجل بذلك زيادة تصل إلى 8, 34% قياساً إلى الفترة نفسها من عام 2005.

وإن رأسمال القطاع الخاص الذي تدفق إلى روسيا في عام 2006 شكل 41 مليار دولار. وذكرت الهيئة أن بريطانيا وهولندا وقبرص وفرنسا وألمانيا والهند ولوكسمبورغ وسويسرا والولايات المتحدة كانت البلدان المستثمرة الأساسية في روسيا في الفترة من أوائل يناير ولغاية أواخر سبتمبر 2006.

وازداد أيضاً تدفق الاستثمارات الروسية إلى الخارج. وحول من روسيا خلال النصف الأول من السنة إلى البلدان الأخرى في شكل استثمارات 5,15 مليار دولار مما يزيد بنسبة 13% عما في الفترة المماثلة من العام الماضي. وتحول الاستثمارات الروسية من حيث الأساس إلى قبرص وجزر باهام وهولندا والولايات المتحدة وأوكرانيا وبريطانيا وجبل طارق وسويسرا وليتوانيا وإيران.

وفي مجال التجارة الخارجية أعلن البنك المركزي الروسي أن حجم التبادل التجاري الخارجي لروسيا الاتحادية في عام 2006 ارتفع بنسبة 27% وبلغ 388 ,468 مليار دولار. وازداد حجم الصادرات بنسبة 25% مقارنة بعام 2005، وبلغ 521, 304 مليارات دولار مقابل 867, 163 مليار دولار، أما حجم الواردات فقد ارتفع بنسبة 8, 30%.

وازداد فائض الميزان التجاري الخارجي لروسيا عام 2006 بنسبة 9, 18% مقارنة بمؤشر عام 2005، وبلغ 655, 140 مليار دولار. وتشير مصلحة الجمارك الفيدرالية إلى أن الاتحاد الأوروبي يبقى أكبر شريك اقتصادي لروسيا إذ كانت حصته عام 2006 تشكل نسبة 2, 53% من تبادل روسيا التجاري. وشغلت ألمانيا مركز أكبر شريك تجاري لروسيا وجاءت هولندا بالمركز الثاني ومن ثم إيطاليا والصين وتركيا وبولندا والولايات المتحدة.

واحتلت روسيا المرتبة الثالثة في العالم من حيث حجم احتياطي الذهب والعملات الصعبة بعد اليابان والصين، إذ بلغ احتياطي روسيا من الذهب والعملات الصعبة في أواخر ديسمبر 2006 حوالي 303 مليارات دولار. وذكر محافظ البنك المركزي الروسي سيرغي ايغناتيف أن البنك قام بتنويع احتياطي البلاد من العملات الصعبة حيث بلغت حصة الدولار الأميركي نحو 50% في حين وصلت حصة اليورو إلى 40%. وأضاف ان الجنيه الاسترليني يشكل أساس الـ 10% المتبقية بالإضافة إلى القليل من الين الياباني.

وتقلصت ديون روسيا الخارجية في الفترة يوليو ـ سبتمبر عام 2006 بنسبة 3 ,31% في أكتوبر لتصل إلى مبلغ 1 ,50 مليار دولار مقابل 9, 72 مليار دولار في يوليو من العام نفسه. وارتبط انخفاض مبلغ الديون الخارجية بصورة أساسية بتقلص الديون أمام البلدان أعضاء نادي باريس إذ شكلت هذه الديون في أكتوبر مبلغ 9, 1 مليار دولار مقابل 3, 24 مليار دولار في يوليو.

وبلغ معدل التضخم في روسيا في العام الماضي 9% مقابل 9 ,10% في عام 2005. وأعلنت الهيئة الفيدرالية الروسية للإحصاء أن المداخيل الفعلية للمواطنين الروس ازدادت في عام 2006 بنسبة 10%. وارتفعت المرتبات الشهرية الفعلية للمواطنين بنسبة 3 ,13%. وبلغ متوسط الراتب الشهري في روسيا في العام الماضي 10736 روبل (أكثر من 400 دولار بقليل).

ويزيد هذا المؤشر بنسبة 5, 24% قياساً إلى متوسط المرتب الشهري في عام 2005. وانخفض عدد العاطلين عن العمل في روسيا في عام 2006 بنسبة 9 ,4% مقارنة بعام 2005، وبلغ 336 ,5 ملايين شخص، بمن فيهم المسجلين رسمياً بنسبة 4, 4% حيث وصل عددهم إلى 766, 1 مليون شخص.

وتعمل الحكومة الروسية على حماية الاقتصاد الوطني من اضطرابات أسعار المواد الخام في الأسواق العالمية عن طريق زيادة حجم «صندوق الاستقرار». ويتوقع نائب رئيس الحكومة الروسية الكسندر جوكوف وصول حجم صندوق الاستقرار في عام 2007 إلى أكثر من 150 مليار دولار. أما احتياطي البلاد من الذهب والعملات الصعبة فسيزيد على مقدار 300 مليار دولار.

ويمكن القول ان الضمانة الأساسية في ثبات النمو تتمثل في الاستفادة القصوى من الموارد المتوافرة محلياً من أجل زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الروسي، لا سيما عن طريق تحديث القطاع الصناعي وخاصة الصناعة التحويلية التي يجب أن يزداد وزنها عاماً بعد عام.

وسيمثل التقليل من استخدام الموارد وخصوصاً الطاقة في خلق الناتج المحلي الإجمالي عاملاً مهماً في تفعيل الاقتصاد الروسي. وسوف تصب في إطار تفعيل الاقتصاد إجراءات تهدف إلى تهيئة المناخ الملائم لتنمية قطاع الأعمال بما في ذلك إزالة القيود التنظيمية البيروقراطية وتخفيف العبء الضريبي.

كاتب ومحلل سياسي روسي