تستعد الجزائر لإجراء انتخاباتها البرلمانية يوم 17 مايو المقبل، وفى الوقت الذي أعلنت فيه بعض الأحزاب عن قوائم مرشحيها تؤكد التطورات والأحداث ان البرلمان القادم وان كان سيضم أعضاءً من التيارات السياسية الرئيسية الثلاثة في الجزائر أي التيار الوطني والتيار الإسلامي والتيار العلماني، الذي يطلق عليه في الجزائر مسمى التيار الاستئصالي أحيانا،
إلا انه في نفس الوقت لن يكون معبرا عن الخريطة السياسية الحقيقية لأن القوى الأساسية في كل تيار سوف تغيب، الأمر الذي يعني ان التوازن السياسي لن يتحقق انطلاقا من هذه الانتخابات وإنما سيقدم صورة غير حقيقية ومشوهة عن الخريطة السياسية الجزائرية.
فسوف تغيب الفصائل الأساسية من القوى الإسلامية ممثلة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي لم تشكل حزبا حتى الآن ولن يلحق الحزب الذي يسعى مدني مزراق قائد الجناح العسكري لها المسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ والذي قام بالجهد الأكبر في الاتفاقات غير المعلنة التي تمت بين الدولة والجبهة وأسفرت عن قانون الوئام المدني في اللحاق بهذا الاستحقاق الانتخابي.
ولن تستطيع حركة الإصلاح هي الأخرى ان تنافس في هذا الاستحقاق بعد الموقف المتخذ من قبل وزارة الداخلية أيضا في مواجهة حزب «حركة الإصلاح «الذي أسسه عبد الله جاب الله زعيم حزب النهضة الذي كان إسلاميا معتدلا في السابق ولكن السلطة عززت مناوئين له داخل الحزب استطاعوا ان ينقلبوا علية بسبب مواقف المعارضة للحكم.
وهذه الإجراءات دفعت جاب الله إلى دعوة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى «تصحيح خطأ» وزير الداخلية يزيد زرهوني، في إشارة إلى القرار الذي كان أصدره هذا الأخير بمنع الحركة من المشاركة في الانتخابات بسبب مشاكل داخلية، وذلك استناداً إلى الصراع المحتدم داخل الحزب. ووصف جاب الله الترخيص لمؤتمر عقده خصومه بفضيحة كبرى تطعن في جوهر النظام السياسي للبلاد وتضرب التعددية السياسية في الصميم.
وفيما يشبه تحدي اعتراض الداخلية، أعلن جاب الله، عن عزم الحركة تسجيل حضورها في الاستحقاق بكل فعالية خدمة لمجهودات البناء الديمقراطي. وجاءت هذه التصريحات في الوقت الذي بدأ فيه الجناح الآخر بقيادة محمد بولحية أحد مؤسسي الحزب، التحضير لقوائم المرشحين، فيما قال وزير الداخلية يزيد زرهوني لصحافيين،
إن شرعية أحد الطرفين وأهليتهما لدخول الانتخابات، ستتحدد بعد دراسة ملف المؤتمر، وهذه التصريحات تعنى ان هناك احتمالات لأن تؤدي الخلافات إلى الحيلولة دون ان يتقدم أي من الجناحين بمرشحين للانتخابات بما يعني ان الحزب الذي يمثل تيارا سياسيا مهما في الجزائر سوف يغيب عن الانتخابات.
وبالتالي لن ينافس في الانتخابات من هذا التيار سوى حركة المجتمع الإسلامي «حمس» التي تعد هي جناح الاخوان المسلمين في الجزائر، والتي فقدت قوتها مع مرور الزمن لأسباب متعددة بما حولها إلى جناح إسلامي للحكم الجزائري ويبدو ان هذا الفصيل هو الذي سيشارك بمفردة من التيار الإسلامي في الانتخابات البرلمانية المقبلة، بما يعني ان هذا التيار سوف يغيب بصورة شبة كاملة عن هذا الاستحقاق السياسي الكبير.
وفيما يتعلق بالتيار العلماني فمن الواضح ان المكّون الأساسي له هو الأحزاب الامازيغية الذي يبدو من سياق الاحداث أن العصب الأساسي منها الممثل في جبهة القوى الاشتراكية سوف يغيب بما يعني ان الامازيغ الذين غابوا عن البرلمان الأخير سوف يغيبون عن البرلمان القادم، وهو الأمر الذي يعني ان البرلمان سوف يفقد جزءا من شرعيته مثله مثل البرلمان السابق.
وفضلاً عن ذلك فإن المتابع لتطورات السياسة الجزائرية سوف يلاحظ أنها من خلال عمليات التدخل الخفية التي حدثت في أحزاب المعارضة وأدت إلى حدوث انشقاقات داخلية فيها وأيضا من خلال عمليات منع بعض الأحزاب والقوى من الترشيح مثلما حدث مع حركة الإصلاح، فهي تمثل تراجعاً عن انفتاح سياسي شهدته الجزائر من قبل وكان يبشر بتعددية سياسية حقيقية، قد تصل بالجزائر إلى صورة متقدمة من التحول الديمقراطي،
إلا ان تطورات السنوات القليلة الماضية، خاصة السنوات الأخيرة من الولاية الأولى للرئيس عبد العزيز بوتفليقة والفترة التي مرت من ولايته الثانية، تؤكد ان الجزائر أصبحت على أعتاب نظام سياسي مقيد يطلق عليه المتخصصون في النظم السياسة اسم التعددية المقيدة وهو الذي يطبق في أكثر من بلد عربي على رأسها تونس ومصر وأخيرا الجزائر،
وإذا كان هناك من يرى أننا لا يجب إن نحكم على الجزائر إلا بعد انتهاء هذا الاستحقاق الانتخابي لنقول انها طبقته، فإن المقدمات التي نلمحها الآن لابد وان تكون نتائجها هذا النظام الذي يهدف من الحكم التحكم في التطورات القادمة وإعطائها صبغة ديمقراطية زائفة، ولكن الخطر في الجزائر يكمن في أنها تمثل مقدمات لإعادة إنتاج الأزمة الجزائرية.
وهو ما يعني ان خطورة ما يجرى الآن على مستقبل الجزائر تلوح في الأفق ذلك ان ما حدث في الجزائر خلال الفترة الماضية كان يضع شروطا بالخروج من الأزمة الطاحنة التي تشهدها منذ عام 1992 والدخول إلى نظام التعددية المقيدة يمكن ان يكون احد شروط إعادة إنتاج الأزمة مرة أخرى.
فإذا كان من المتوقع ان تكون هذه الانتخابات فرصة لكي تتم عملية تحديث للخريطة السياسية بما يعطي الفرصة لإشراك أكبر عدد ممكن من القوى السياسية في العملية السياسية، فإن مرحلة ما قبل أجراء الانتخابات أكدت انه سوف يتم تقليص هذه الخريطة وليس توسيعها على النحو الذي كان متوقعاً.
وهذا التصرف من الحكومة يعني ان تطورات ما بعد الانتخابات التي ستتضمن تعديل الدستور بما يسمح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالترشيح لولاية رئاسية ثالثة قد تتضمن المزيد من التضييق في الحياة السياسية في الوقت الذي كان يتوقع فيه الناس قدرا ما من الانفتاح.
كاتب مصري