مرت قبل بضعة أيام الذكرى الرابعة لسقوط العاصمة العراقية بغداد على أيدي قوات الاحتلال الأميركي، ومع هذه الذكرى يسترجع المرء، مرارة أحداث مزقت العراق وأرسلت مئات الآلاف من أبنائه إلى حتوفهم، وأرغمت ما يزيد على الثلاثة ملايين منهم إلى الهجرة في الخارج وفي الداخل في أكبر عملية نزوح في تاريخ الشرق الأوسط منذ نزوح الفلسطينيين عام 1948 عن ديارهم.
خواطر كثيرة تمر بالذهن يغلفها الحزن والأسى، تحكي مأساة بلد شهد صعوداً سريعاً وانحداراً سريعاً في فترة زمنية وجيزة، وخواطر أخرى، كثيرة أيضاً، مسربلة بالدماء تحكي قصة أربع سنوات عجاف عرضت العراقيين إلى مِحنٍ جديدة فوق ما تحملوه من مِحن طيلة حقبة النظام السابق، وتحكي فجيعة بلد اختار الكثير من أبنائه حوار الدم بديلاً لحوار العقل.
ما أشد حاجة العراقيين الآن إلى وقفة تأمُّل يجمعون فيها شتات أذهانهم المكدودة لاستنتاج بعض الدلالات والعبر من أحداث هذه الحقبة الدامية من تأريخهم الحديث تساعدهم في رسم مستقبل بلدهم، وقد تنتفع بها شعوب أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
كان عام 2006 أكثر الأعوام دموية في العراق، فخلاله جرت 44% من حوادث العنف التي جرت في السنوات الأربع الماضية، حيث حصد هذا العام من أرواح جنود الاحتلال ومن أرواح العراقيين أكثر من غيره من الأعوام، مؤشراً بذلك على تصاعد مستوى الرفض للوجود الأجنبي من جهة، ومؤشراَ كذلك على اتساع مساحة الرقعة الممزقة من أرض الوطن من جهة أخرى.
لقد وجد الرئيس الأميركي بعد مرور أربع سنوات على إعلانه، من على سطح إحدى حاملات الطائرات، بأن العمليات العسكرية الكبيرة في العراق قد انتهت، وجد نفسه غارقاً أكثر من أي وقت مضى في حرب لم يتوقع مدى عنفها، كما وجد نفسه يواجه حرباً أخرى اندلعت مؤخراً في الداخل، مع الرأي العام الأميركي المستاء من سياساته والذي دفعه هذا الاستياء إلى الإتيان بالديمقراطيين إلى موقع السيادة في الكونغرس بمجلسيه، النواب والشيوخ، في الثامن من نوفمبر من العام المنصرم، ليضعوا العصي في عجلات إدارته.
إنه وضع لا يحسد الرئيس بوش عليه، فالصراع المحتدم بين إدارته وبين الكونغرس قد خرج عن إطار الاتهام والاتهام المضاد الذي اعتاد الأميركيون سماعه، بل تعدى ذلك إلى موقف سياسي متميز اتخذه الديمقراطيون حين أقدمت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي على زيارة سوريا، الدولة التي تعتبرها واشنطن دولة مارقة، منفذة بذلك إحدى توصيات مجموعة دراسة العراق التي تناوب على رئاستها كل من الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون، والتي قدمت مجموعة من التوصيات، أصابت الرئيس بوش بالدوار، فجلُها يدعو إلى تبني استراتيجية أميركية جديدة في العراق في تقريع ضمني لأداء إدارته.
ويبدو من مجرى الأحداث بأن حرب الرئيس بوش داخل الولايات المتحدة قد أصبحت أسرع من حربه في العراق، فالضغوطات المسلطة على جنرالاته في العراق وعلى الحكومة العراقية قد تزايدت من أجل تحقيق إنجاز في الوضع الأمني يساعده في الحرب التي يخوضها في الداخل.
فقد عبر الجنرال بترايوس قائد القوات الأميركية الجديد في العراق، في مقابلة تلفزيونية، ضمنياً عما يجري حين قال «الساعة في واشنطن تمر أسرع من الساعة في بغداد»، ثم أضاف قائلاً «نحن بالطبع نسعى إلى تسريع الساعة في بغداد والحصول على بعض التقدم على الأرض الذي من شأنه أن يضع بعض الوقت على ساعة واشنطن».
وفي هذا الوقت الحرج الذي تتزاحم فيه الأحداث تطل دول الجوار العراقي، التي تحمل أجندة متباينة، والتي يقلق بعضها ما يجري في ساحته من فوضى وما قد ينجم عنها من تداعيات، على المشهد العراقي وتراقب بتوجس وحذر مسار الخطة الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي بدأ تطبيقها في العشرين من فبراير المنصرم. أصبح الملف العراقي أبرز ما يسبب القلق للولايات المتحدة، فهنالك خلاف شديد حول الاستحقاقات الزمنية لإغلاقه داخل المؤسسة الأميركية:
1. يرى الديمقراطيون بأن هنالك مهلة أمام الرئيس الأميركي لبدء سحب قواته في غضون إثني عشر شهراً فقط، وقد ربطوا في المشروع الذي أقره الكونغرس تمويل القوات الإضافية المرسلة إلى العراق بوضع جدول زمني يتحدد بهذا السقف، فهم لا يرغبون في ترحيل القضية العراقية بكل تعقيداتها إلى الرئاسة القادمة التي يتوقعون كسبها.
2. يحرص الجمهوريون من جهتهم على التأكيد بأن الرئيس بوش قادر خلال ما تبقى من رئاسته، أي ثمانية عشر شهراً، أن ينجز المهمة في العراق متملصين من الإشارة إلى جدول زمني لبدء الانسحاب، وهذا هو موقف الحكومة العراقية.
وبعيداً عن المماحكات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين، وبعيداُ عن ضجيج وسائل الإعلام، هنالك ما يقوله القادة العسكريون الموجودون في ميادين الأحداث الساخنة، وهو الأهم، إذ يبدو أنهم غير قادرين على تحديد سقف زمني لوجودهم في الوقت الحاضر، فقد صرح الجنرال بيترايوس في معرض تعليقه على ما تحقق منذ بدء تنفيذ الاستراتيجية الجديدة في العراق بأن من المبكر الحديث عن حصول تقدم مضمون على الأرض، فالتقييم الفعلي لمدى نجاح الخطة الأمنية الجديدة سوف يتم في خريف هذا العام.
قد تحقق الاستراتيجية الأميركية الجديدة، التي تسهم الحكومة العراقية في تنفيذها، بعض النجاحات على المستوى العسكري فلديها القدرة على ذلك بكل تأكيد، ولكنها تعجز عن تحقيق نجاح مماثل في مسار سياسي موازٍ، وهي لهذا السبب لن يكتب لها النجاح الذي تتوقعه الأوساط التي وضعتها، وذلك لأن استتباب الأمن في العراق أمر ليس من السهل اختزاله إلى مجرد النجاح في مطاردة مجموعة من المنتسبين إلى تنظيم القاعدة.
العراق في أزمة خطيرة ولا أمل في وصوله إلى بر الأمان ما لم يتحل الفرقاء العراقيون أنفسهم بالشجاعة الكافية لمواجهة الأسباب الحقيقية لما يعانيه بلدهم. فمشاكلهم لا تُحل بزيادة عدد القوات الأميركية في شوارع وأزقة المدن العراقية، بل تُحل بعودتهم إلى رشدهم وإزاحة الغشاوة عن أعينهم وأدمغتهم والتي أعمتهم عن رؤية أين تكمن مصالحهم وأي المسالك هي الأضمن والأكثر أمناً للسير فيها.
لقد تسرع الفرقاء العراقيون، الذين اقتسموا الغنائم إثر سقوط النظام السابق، في وضع الدستور الدائم وفي إقراره وتسرعوا كذلك في إقرار بعض اللوائح القانونية التي عمقت الشرخ في البنية الوطنية، فالظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق لا تخلق الأجواء المناسبة لوضع اللبنات الرئيسة لعراق المستقبل.
ليس أمام العراقيين إلا التخلص من النموذج السيئ في العمل السياسي والإداري، نموذج المحاصصة العرقية والطائفية، الذي لم يقدم للعراقيين خلال الأربع سنوات الماضية سوى البؤس والخراب، ليس أمامهم من خيار سوى التخلي عن التشرذم خلف العرق والطائفة والعودة للتفيؤ بخيمة الوطن، وقطع دابر التدخلات الإقليمية وفضح التوجهات السياسية التي تُزين هذا التدخل أو ذاك، وتأمين انسحاب قوات الاحتلال من كافة الأراضي العراقية، والحفاظ على الثروة الوطنية وعدم السماح للشركات الأجنبية بالسيطرة على الثروة النفطية.
إن مفتاح النجاح للعراقيين هو التهيؤ ومنذ الآن لإعادة تشكيل مجلس النواب العراقي على أسس غير الأسس التي تشكل عليها خلال دورتيه الماضيتين بعيداً عن القوائم التي تعسكر فيها الطائفية والعرقية التي لم يعد هنالك مجال للشك بأنها لم تأت إلى موقع المسؤولية بمن يخدم أهداف ومصالح الغالبية العظمى من الشعب العراقي الذي أولاهم ثقته الغالية يوم تحشد بالملايين ليؤسس لواقع عراقي جديد.
كاتب عراقي
ea.ten.setarime@lamajam