اليوم الثاني عشر من أبريل ذكرى انطلاق أول إنسان للفضاء، الشاب السوفييتي يورى جاجارين الذي انطلق على متن سفينة الفضاء السوفييتية «فوستوك» عام 1961، لقد كان حدثا تاريخيا كبيرا بجميع المقاييس فقد فتح أمام البشرية أفاقا جديدة لم تكن لتحلم بها في مطلع القرن الماضي، وكان للحدث آثاره السياسية الواسعة النطاق في إطار الصراع بين المعسكرين الاشتراكي الشرقي والرأسمالي الغربي، فقد سجل للسوفييت السبق في الفضاء.
مازال الروس يحتفظون بهذا السبق والتفوق حتى الآن رغم انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها روسيا في سنوات التسعينات، إلا أنها تظل الدولة الأولى في الفضاء وصاحبة محطات الفضاء الدائمة لسنوات طويلة والتي ينطلق إليها الرواد من كل أنحاء العالم،
ومازالت روسيا صاحبة الرحلات الناجحة التي تحولت إلى رحلات سياحية يتنافس عليها المليونيرات من كل أنحاء العالم وكان آخرها الاثنين الماضي والتي حملت السائح الأميركي المليونير «تشارلز سيموني» الذي دفع 25 مليون دولار للروس رسوم الرحلة التي تستغرق نحو أسبوعين إلى المحطة الفضائية
التي تتولى روسيا مسؤوليتها الآن كاملة بعد أن توقفت وكالة «ناسا» الأميركية عن الإنفاق عليها بعد تقليص البيت الأبيض لميزانيتها بشكل كبير بعد أن سجلت حوادث إطلاق سفنها الفضائية الشهيرة رقما قياسيا في النفقات والخسائر ابتداء من كارثة أبوللو عام 1967، وتشالنجر عام 1986، وكولومبيا عام 2003، وكان آخرها تعطل مكوك الفضاء الأميركي أتلانتيس وعدم إقلاعه للمحطة الفضائية في مارس الماضي بسبب انفجار خزانات الوقود قبل الإقلاع.
هذا بينما لم يسجل تاريخ اكتشاف الفضاء أية حوادث أو أعطال لدى الروس منذ بدايته برحلة جاجارين عام 1961 وحتى الآن، الأمر الذي أصبح مثيرا للخجل والإحباط الكبير لدى الأميركيين الذين توقفوا منذ عدة أعوام عن الاحتفال بذكرى الهبوط على سطح القمر بعد التشكيك الكبير حول حقيقة هذا الهبوط وما إذا كان وقع بالفعل أم كان خدعة كبيرة.
ما يهمنا في ذكرى رحلة جاجارين هو لفت الانتباه لشيء هام لم يأخذ حقه في الحديث والدراسة وصفحات تاريخ غزو الإنسان للفضاء، وهو أن الروس اختاروا للسفينة التي حملت جاجارين للفضاء اسم «فوستوك» وتعني باللغة العربية «الشرق»،
ولم يكن اختيار الاسم جزافا ولا محض صدفة بل كان مقصودا تماما أن يحمل «الشرق» أول إنسان للفضاء البعيد باعتبار أن الشرق هو مهد الحضارات البشرية العظيمة التي عاشت قرونا طويلة ووضعت أسس ودعائم كافة العلوم الإنسانية التي لولاها ما كان التاريخ البشري ليتواصل على النحو الذي هو عليه الآن.
اختيار الروس اسم «الشرق» لم يكن فقط ردا على الغطرسة والغرور الغربي الذي دأب على وصف الشرق بالتخلف ونسب لنفسه الفضل في تقدم وتطور البشرية، بل كان أيضاً تأكيدا على انتماء الروس أنفسهم لهذا الشرق وفخرهم الكبير واعتزازهم بهذا الانتماء،
ومن عاش مع الروس واطلع بشكل جيد على ثقافتهم يلمس بوضوح هذا الانتماء في كافة مجالات حياتهم المعيشية والثقافية وفي عاداتهم وتقاليدهم وفي فنونهم وآدابهم، ومن يقرأ أدب جوجول ودوستيوفسكي وتشيخوف وجوركي يلمس ذلك جيدا، ومن يقرأ أدب تولستوي ورسائله للإمام محمد عبده في مصر،
ومن يقرأ أشعار أمير شعراء روسيا بوشكين حول القرآن والنبي محمد عليه الصلاة والسلام وكذلك أشعار ليرمنتوف حول الإسلام والقرآن وغيرهم الكثير يلمس بوضوح مدى انتماء روسيا والشعب الروسي للشرق،
هذا الانتماء الذي مازال الروس متمسكين به في كل شيء حتى في السياسة، ففي الوقت الذي تهرول فيه بعض دول وشعوب الشرق نحو الغرب نجد روسيا ترفض حتى فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي والتي عرضت عليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي،
ولم يكن رفضا سياسيا فقط بل شعبيا أيضاً نابعا من اعتقاد الروس أنفسهم بأن انتماءهم ليس للغرب، وهو الاعتقاد الذي تدعمه بقوة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الشرقية التي هي على عداء تاريخي مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية وفي صراع دائم معها.
لقد رفع الروس راية الشرق عالية خفاقة في الفضاء مؤكدين سبق الشرق على الغرب في العلم والحضارة، فمتى نعيد نحن العرب لشرقنا كرامته وعزته ونحن أصحاب أقدم الحضارات ومهد الرسائل السماوية كلها، الأمر بالقطع ليس بالتغني والصدح بأمجاد الماضي، ولكن مثلما يفعل الروس بالعمل والعلم والإرادة القوية والإحساس الصادق بالكرامة والعزة والرقي والانتماء للشرق مهد الحضارات الإنسانية العظيمة.
elmoghazy@hotmail.com