من يصدق أن القنوات الفضائية الإخبارية العربية تتحمل قدراً من المسؤولية عن حالة الاسترخاء والتبلد التي أصابت الجسد السياسي العربي وهي صاحبة الشهرة العريضة في تأجيج المشاعر وتحفيز نوازع الرفض السياسي ومشاعر عدم الرضا بين جمهور المتفرجين والمشاهدين، ولكن يبدو أن هذه السمعة التي اكتسبتها هذه القنوات صرفت الأنظار بعيداً عن الأثر الذي أحدثته في تعميق حالة التدجين السياسي بتحويلها مشاعر الرفض إلى مجرد مشهد تدور تفاصيله بين المشاهد والتلفاز من دون أن تخرج مثل هذه التعبيرات عن حدود مكان التلفاز.
في الماضي القريب وقبل بزوغ نجم الفضائيات العربية، كان الجسد السياسي العربي مفعماً بالحيوية والنشاط وتمكنت الجماهير في العديد من الأقطار العربية من إحداث تغييرات جذرية وشاملة في مختلف مناحي حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكانت القدرة علي تحريك هذه الجماهير تمثل الرقم الأكثر أهميةفي أية تغييرات سياسية بحيث كان هدف أي حركة تغيير سياسي هي السيطرة على آذان الجماهير لتوجيهها إلى الوجهة المطلوبة والمنشودة.
وبالتالي سجلت الجماهير ملاحم نضالية في معارك التحرر الوطني وشاركت في التحولات السياسية التي شهدتها الدول العربية في حقب الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي ، وجري كل ذلك من دون وجود فضائيات إخبارية تبث برامجها على مدار الساعة.
في الوقت الحالي ، ورغم تواجد مئات الفضائيات الإخبارية التي تبث الكثير من البرامج التي تعالج قضايا كانت حتى قريب واقعة ضمن الدائرة الحمراء فضلا عن تسابقها علي نقل المشاهد الحية من ساحات الحروب والصراعات والأزمات وإبرازها بالصوت والصورة مواقع التقيحات والبثورات المنتشرة في مختلف أعضاء الجسد السياسي العربي ورغم كل هذه المشاهد المثيرة لنوازع الرفض والانتقام الدفينة في النفس البشرية إلا أن تعبيراتها الخارجية تظل حبيسة الداخل وفي أفضل الأحوال تبقى دائرة رد الفعل محصورة على مكان التلفاز ذاته.
وإذا كان يحسب للقنوات الفضائية الإخبارية الفضل في ارتيادنا ساحات الحروب والصراعات المتلفزة، حيث عاش الكثير منا اللحظات الأليمة والصعبة في تاريخنا الحديث أمام التلفاز وما رافقها من تفجر لكافة أنواع المشاعر الدفينة والمكبوتة إلا أن هذه القنوات أدخلت تعبيراتنا السياسية الرافضة الى العالم الافتراضي.
بحيث أصبحنا نثور ونرفض ونحب ونكره مع تحرك وتتابع المشاهد التليفزيونية ونفترض أننا فعلنا كل ما هو مطلوب منا لمجرد قيامنا بفعل المشاهدة، بل ويصل الوضع إلى حالة الإصابة بفيروس التبلد مع تكرار هذه القنوات نقلها لمشاهد العنف والصراعات وبالتالي تقوي مناعة المشاهد من الوقوع في شرك الانفعال والغضب من رؤية أية مشاهد مهما بلغت دمويتها وقسوتها حيث تصبح هذه المشاهد من الأمور الاعتيادية والمألوفة والتي لا تحمل أي جديد يدعو المشاهد الى الانفعال والغضب .
وهكذا ، نجحت الفضائيات الإخبارية في تحويل الصراعات السياسية الداخلية إلى معارك متلفزة والتي يجتهد ويناضل فيها الفرقاء علي شغل أكبر مساحة زمنية بحيث صارت قوة الأحزاب السياسية تقاس بالمساحات الزمنية التي تشغلها في برامج الفضائيات الإخبارية وصارت عناصر القوة الحقيقية كتلك الخاصة بالقواعد الجماهيرية وقوة البنيان التنظيمي مسائل غير ذات أهمية بالمقارنة مع التواجد والحضور المكثف في برامج الفضائيات الإخبارية.
وكما تحولت الصراعات السياسيةإلى معارك متلفزة تحولت مشاركة المواطن العادي في صنع الأحداث إلى مجرد مشاركة متلفزة والتي قد تتعدد مظاهرها وتعبيراتها ولكنها تظل حبيسة مكان التلفاز كما أنه بالقدر الذي فلحت فيه القنوات الفضائية في إثارة مكبوتات النفس، إلا انها وبالقدر ذاته، عملت هذه القنوات وبكفاءة تحسد عليها في تحصيننا من الانفعال إزاء أية مشاهد عن طريق التكرار الممل لهذه المشاهد علي مدار الساعة.
وهكذا، صار عالمنا السياسي هو مجرد عالم افتراضي متلفز حيث تكون المشاركة هي مشاركة متلفزة والصراع السياسي الداخلي هو معركة متلفزة والحروب هي حروب متلفزة وبالتالي ، أليس يحق لنا أن نقول ان تبلد جسدنا السياسي هو نتيجة ل(التدجين المتلفز).