شهور فقط هي التي عشتها في بغداد خلال صيف عام 1984 لكن هذه الشهور تحولت إلى دهور حينما مررت على حدائق التاريخ أقطف من ورودها لأعرف ماضي مدن حضارتنا العربية والإسلامية وفي القلب منها عاصمة الرشيد.

لذلك لم يكن سقوط بغداد بأيدي الأميركيين قبل أربعة أعوام ويوم مجرد احتلال العاصمة العربية في زمن تعودت فيه العواصم على ترك المحتل يعبث بخصلات شعرها ويصفع خدها ويستبيح حرماتها، بل كان بالنسبة لي شيئاً آخر.. إنه سقوط لجوهرة تاج العرب ورمز عزتهم ومشعل حضارتهم الأكبر.. وتصورت كما تصور متفائلون من أمثالي ان احتلال عاصمة الرشيد نهاية مرحلة بائسة خيم علينا فيها اليأس، وبدء مرحلة عز ونضال لاسترجاع ما فات والإمساك بلجام عزة جمحت منا لأننا لم نكن نستحق شرف ترويضها.

عدت إلى سيرة آخر خليفة عباسي ورأيت كيف دخل عليه التتار وإحدى جواريه تغني بين يديه حتى أنه أصابها سهم من سهام الغزاة ولم أستغرب حالنا اللاهية عما يجري، وطالعت سيرة بن العلقمي وكيف كتب لهولاكو أن بغداد ثمرة فاسدة ستسقط مع أول هزة للشجرة، وأن أهلها متلهفون على من يخلصهم من حكم الخليفة العباسي الظالم، وأنهم سيستقبلون التتار بالغناء والرقص وسيفرشون لهم الأرض وروداً، ولم أستغرب تلك الوجوه التي زينت لأميركا وأكدت لها أن البغداديين سيستقبلون الجنود الغزاة بالورود.

وحينما بدأ السلب والنهب بعد سقوط بغداد بساعات لم أندهش كثيراً فالتاريخ يعيد نفسه، وها هم المحتلون وحثالتهم التي أتوا بها تنهب المتاحف والمكتبات وتخرب الجامعات، وتحصل فوضى يقتل فيها العراقيون بالمئات يومياً.. وقلت لنفسي إن التتار قتلوا الخليفة وحاشيته والعلماء والشعراء والقادة ومعهم أكثر من مليون مسلم وأحرقوا المكتبات ووضعوا ملايين الكتب في النهر لتصبح جسراً تعبر عليه خيولهم..

فهذا قدر بغداد وقدر هذا الجيل الموصوم بالتعاسة.. وجلست أنتظر حتى تكمل الأحداث دورتها ويحدث بعد الغزو الأميركي ما حدث بعد غزو التتار، ورحت أتخيل عين جالوت والبلستين لكن المعارك الكبرى التي ينتقم فيها الضحية من جلاده تأخرت، ومع ذلك لم تتبخر الآمال.. فهناك مقاومون حقيقيون وسط من يزرعون المتفجرات بلا هدف، وهناك غضب عارم على المحتل وأعوانه، فهؤلاء لم يجلبوا سلاماً ولا أمناً، ولم ير منهم أحد إعماراً ولا تنمية وإنما نهب وسلب وفرار بملايين الدولارات تاركين الشعب العراقي وحده يعيش لظى المعارك ويمنى نفسه بيوم خلاص.

وليس بعض الزعماء العرب هم وحدهم اللاهون عما يجري، بل إن الغفلة تمتد لتصيب قطاعات عريضة من شرائح النخبة العربية.. فنانون ومثقفون وكتاب اعتبروا السبي الأميركي لعاصمة الرشيد شيئاً عادياً، فلا قاموا بدورهم النخبوي في تثوير الناس لتغيير ذلك الواقع الرديء، ولا تركوا غيرهم ينوبون عنهم في ذلك، وكثيراً ما أطلقوا صفة أيتام صدام على كل من يتوجع لوجع أهل بغداد.

الذين ينظرون إلى احتلال بغداد على أنه مجرد سقوط لعاصمة عربية أخرى يظلمون أنفسهم ويظلمون بغداد، فعاصمة الرشيد لم تكن على امتداد تاريخها مجرد مدينة تسقط أو لا تسقط.. إنما هي رمز لعزة العرب أو ذلتهم، لكبريائهم وخنوعهم، ليقظتهم وغفلتهم، هي وردة من دمي ووردة من دمك، بعض مني وبعض من دم كل عربي حر.. شرفنا فيها وعزتنا، ولا يقبل أبي أن يداس شرفه بالنعال.

magdishendi@hotmail.com