في شهادته أمام لجنة التحقيق في الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006(فينوغراد)، قال المخضرم شيمون بيريس نائب رئيس وزراء إسرائيل «لو كان الأمر متعلقا بي ما كنت لأدخل هذه الحرب لأن الجيش لم يكن جاهزا لها..». وقد تكررت هذه الشهادة بصيغ مختلفة بين يدى أوساط اسرائيلية أخرى.

وقبل شهور، ذهب حسن نصر الله أمين عام حزب الله الى انه لو كان يعلم رد الفعل الإسرائيلي ما نفذ عملية «الوعد الصادق» التي أسر فيها حزبه جنديين إسرائيليين. هل يعنى ذلك احتمال أن بعض الاطراف يمكن أن تساق الى حالة الحرب على غير ارادة منها؟

يتصل بهذا السؤال استفهام آخر يدور حول ما إذا كانت الأطراف الثالثة، المعنية بمجريات حرب ما ونتائجها، يمكن أن تقع بدورها فريسة الحسابات والمقاربات الخاطئة وهى تحدد سياستها ومواقفها من هذه الحرب؟! للوهلة الأولى وبالنظر إلى توابع نموذج حرب إسرائيل _ حزب الله، يبدو أن الأمر كذلك بالفعل.

ففور اندلاع الحرب عجلت قوى عربية باتخاذ مواقف توحي بالتبرؤ من سلوك حزب الله، باعتباره «مغامرة» لم تتم بالتنسيق مع الدولة اللبنانية. ولكن مع استشعار فشل الآلة العسكرية الاسرائيلية في تقويض الحزب، راحت هذه القوى تراوغ وتحيد عن هذا التكييف، وصار خطابها اقرب إلى القول« لو كنا ندرك مدى طاقة حزب الله على تمريغ نظرية الردع الإسرائيلية، لما قرّعنا الحزب ولا كنا كشفناه سياسيا في ربع الساعة الأولى من الحرب».

قياسا على هذا المنطق، لنا أن نتصور بعض أركان الادارة الاميركية وهم يتمتمون بأنهم لو توقعوا خيبة إسرائيل فى القضاء على حزب الله، لما تعمدوا إطالة أمد الحرب!

هذا التحليل قد يفضي إلى الاعتقاد بأن بعض الحروب تستعر على غير إعداد مسبق من الذين ينغمسون فى معمعتها، وان مواقف المهتمين بسيرورة هذه الحروب ومآلاتها لا تصدر في كل الأحوال عن روية وتدبر معمق. وفي تقديرنا إن هذا الاعتقاد باطل ولا يستند إلى مسوغات موضوعية أو عقلانية، وان نموذج حرب يوليو 2006 في لبنان يوجب هذا البطلان ويدحض مقولة الحروب التي تندلع بشكل عفوي، وذلك على عكس ما يشاع عن هذه الحرب بأثر رجعي.

نود القول بكلمات أخرى أن الحروب الحقيقية الضارية التي تستحق هذا الوصف -وهي غير المناوشات والاشتباكات المحدودة في المكان والزمان- لا تندلع إلا عن وعي وتخطيط مسبقين من بعض أو كل أطرافها. وان ما ينتمي إلى الفعل الخارج عن السيطرة والتحكم هو سيرورة هذه الحروب وتفاعلاتها الميدانية ونتائجها المنظورة وغير المنظورة في الحال والاستقبال. وهذا يؤكد صدقية النظرية القائلة بأن الذي يبدأ الحرب قد لا يعرف متى وكيف تنتهي. ونحسب أن حرب يوليو 2006 لم تكن بدعا من هذه القاعدة.

فمن ناحية، هناك مؤشرات لا حصر لها على الاستعداد والتهيؤ الإسرائيليين بالتعامد مع تواطؤ أميركي، لتطبيق حل نهائي يذهب بريح حزب الله، لا سيما عسكريا،إلى الأبد. والمدهش أن بيريس لم يعترض على الشروع في هذا الحل عند بداية الحرب، وانما جاءت شهادته المشار إليها لاحقا في معرض محاولته وآخرين مثله لمداواة الجروح التي سببتها نتائج الحرب في مجمل الكيان الصهيوني وبخاصة للجيش، بقرته المقدسة. يريد بيريس التذرع بان هذا الجيش فرضت عليه الحرب على حين غرة! وهذا لا يستقيم مع السيرة الذاتية لمستوى جهوزية اسرائيل وجيشها منذ نشأتهما إلى ساعتنا هذه.

ثم ان هناك شهادات أخرى يتوالى الإفصاح عنها تباعا، تؤكد نية التحالف الأميركي الإسرائيلي لاستدراج حزب الله نحو الحرب بغض النظر عن عملية الوعد الصادق. فلنتأمل بالخصوص تحقيقات سيمور هيرش المشهود له بالكفاءة والنزاهة السياسية والصحافية.

من ناحية أخرى، كيف لزعم واشنطن بأنها فؤجئت بالحرب أن يمر ويصدق، في ضوء تصريح وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس العاجل وقتذاك عن «الشرق الأوسط الجديد الذي سيخرج من رحم هذه الحرب»؟

إلى هذا وذاك، لا تتسق دعوى الحرب المباغتة على غير موعد وترتيب في حالتنا هذه وحجم الضربات التي كالتها إسرائيل للبنان عموما بشكل انتقامي، أريد به تسميم البيئة المحيطة بحزب الله وتحريضها عليه وذلك جنبا إلى جنب مع هدف استئصاله.

وبالمعيار ذاته، يصعب الاقتناع بان حزب الله فوجئ تماما بالحرب عليه.. فلا تصديه الرائع للهجوم على قواعده ولا براعته في ضرب العمق الإسرائيلي ينسجمان وحديث المفاجأة.

الحروب لا تقع بالصدفة أو عفو الخاطر. وبالنسبة لدولة كإسرائيل،مجبولة من حيث المنشأ والمسار والمصير على العدوان والتربص، وتملك مخططات تكتيكية واستراتيجية متعددة الأنماط تجاه المحيطين بها، يكون من السخرية بمكان اخفاء الفشل وراء فكرة الحرب المباغتة.

الأمر وما فيه أن اسرائيل خضعت في حربها هذه لاخطاء ثقيلة في حسابات ما بعد بدء الحرب ورمى الطلقة الأولى. وهى لم تكف عن الرماية الا حين أدركت هذه النقيصة وان نكستها أوشكت على التحول إلى هزيمة ساحقة.

بيريس رجل علاقات عامة قديم، لكن خبرته خانته في التغطية على نقاط ضعف سياسية وعسكرية وقعت فيها دولته في غمرة حرب تقول كل الشواهد انه تم الأعداد والتخطيط لها طويلا.

بالمناسبة، وللمفارقة أيضا، أن الظهير الأمريكي يكاد يكون المنافس الأول لإسرائيل على مضمار الهرولة إلى حروب يعرف مبتداها ولا يعرف مستقرها ومنتهاها. الحالة العراقية لا تدع مجالا للتشكيك في هذا التماثل اللافت. وقد يكون من باب التماثل أيضا بين هذين الحليفين انهما ما زالا يخادعان نفسيهما بشأن أسباب انتكاستيهما في لبنان والعراق. فثمة في أوساط الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش من يتوعد حزب الله في جولة أو حرب قادمة تكون إسرائيل قد تأهبت لها جيدا!..

ويصر الرئيس بوش الابن على أن النصر الأميركي المؤزر في العراق قادم لا محالة ولا يحتاج ألا صبر ساعة!. ومادام الأمر على هذا النحو فان المجال مفتوح على احتمال شنهما حروبا أخرى في رحابنا «الشرق أوسطية» ضد حزب الله أو سوريا أو إيران مثلا.. أقله لاثبات الذات وانهما غير قابلين للفشل أو للهزيمة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني