مثل أحدهم بأنه سقط ميتا! منظر حقيقي 100% من حيث الصوت والصورة.. أنهم مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة في أحد الأحياء الفقيرة يحملون رشاشات بلاستيكية فارغة صناعة تايوانية.. تطلق ماء بدلا من وابل الرصاص ويقومون بتمثيل سيناريو أحد أفلام العنف الذي تبثه قنواتنا الفضائية، دون أن يدركوا بأنهم يمثلون جزءا خطيرا من لعبة عصابة سماسرة السلاح المنتشرين في العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

السلاح! إنه الآلة العجيبة التي لا غنى عنها للتدمير مع سبق الإصرار والترصد. أذكر أننا كنا نحتفظ لدينا قديما في منزلنا بسيف (وكان يطلق عليه كتارة) وبندقية ومسدس بذخائر حية، وأذكر أنني كنت مهووسا بهذه الأسلحة الثلاثة، وأذكر أنني بمجرد حمل أحدها أشعر بقوة خارقة وبرغبة حادة في استخدامها، كنت لا أتجاوز وقتها أعمار هؤلاء الأطفال.. وكنت أشعر بأن في مقبض كل واحدة من تلك الأسلحة يختبئ شيطان دموي يوسوس لمن يحمله باستخدامه لمتعة القتل!

وحيث أن هوس القتل يبدو أن البعض قد صنفه ضمن الغرائز المختلفة التي تولد مع ولادة الإنسان وشبهه البعض بضرورات الحياة الأساسية كالطعام والماء والهواء والضوء، فبالتالي ولد هناك أفراد متخصصون في صناعة السلاح وآخرون في ترويجه وتمويله بينما انهمك البعض الآخر في بيعه بشتى الوسائل دون النظر إلى من هو الزبون المقبل.

وبما أن الغريزة موجودة لدى الأطفال والكبار، فلا بأس إذا من ترويجها بشكل مخفف للأطفال بحيث يتمرسون عليها حتى يشتد ساعدهم وينتقلون بعدها للسلاح الحقيقي، بالرغم من أن بعض الأطفال انتقلوا إلى سن الكبار قبل الأوان وشهدت عدة مدارس أميركية جرائم قتل دموية جماعية نفذها أطفال صغار ضد زملائهم على مقاعد الدراسة.

وهكذا تصبح هذه اللعبة أخطر لعبة على وجه الأرض. وبما أنها مدرة للمال على كافة الأصعدة، فقد تخصصت اليوم بعض الدول الكبرى والعظمى في صناعتها وتطويرها والترويج لها بشتى الوسائل القانونية وغير القانونية، الظاهرة والباطنة.

وعلى رأس هذه الدول ـ وفق الأبحاث والدراسات المنشورة في هذا الشأن ـ تأتي الولايات المتحدة الأميركية: فهي تحتفظ لنفسها بحصة الأسد، بنسبة تصل إلى أكثر من 41% من قيمة تجارة السلاح في العالم! ثم تأتي روسيا بفارق كبير، حيث تحتفظ بنسبة 22% فقط. بعدها تأتي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتتقاسما ما تبقى من الكعكة.

ولكن هل نعلم ما هو الرقم المالي المخجل في تجارة الموت هذه؟ 93 مليار دولار بين عامي 1998 و2002 أي خلال خمس سنوات فقط (منها 38 مليار دولار فقط لا غير) دست في جيوب أرباب مصانع الولايات المتحدة الأميركية!

وهو رقم يتزايد يوما بعد يوم نظرا لترويج واختلاق الدول العظمى للحروب الصغيرة بين الدول الفقيرة التي لا تجد ما تأكله ولا تشربه. (ترى كم كان دخل شركات السلاح الكبرى من دماء الصوماليين والإثيوبيين في الأيام الأخيرة؟ ـ الأرقام لم تعلن بعد لأن الحرب لا تزال في بداياتها ونهايتها قد تطول).

رقم المبيعات السابق ليس من اختراع جهة غير معلومة، وإنما هو طبقا للتقرير الذي نشره معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم، ولا يمثل رقما ثابتا لأن هناك أرقام أخرى لم تقع بين يدي الباحثين في ذلك المعهد الذي يدعو لنزع السلاح، ولا يمثل أيضا كل الأسلحة التي تتاجر بها الدول الكبرى،

حيث يقتصر على مبيعات الأسلحة الثقيلة كالطائرات الحربية والدبابات والمدرعات والهيلكوبترات والسفن الحربية وغيرها، أما الأسلحة الخفيفة الأخرى كالقنابل والقنابل العنقودية والرشاشات فهي أمر آخر وأرقام أخرى. إنها أرقام يسيل لها اللعاب بقدر ما تسيل من ورائها دماء الأبرياء.

ولكي نقرر بأنفسنا مدى حسن نية تلك الدول الديمقراطية الكبرى المحبة للسلام في العالم، فإن فرنسا على سبيل المثال التي تشعر بالظلم من أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، قامت بتزويد الهند وباكستان في نفس التاريخ بالأسلحة الفتاكة

وهي تعلم جيدا في قرارة نفسها بأن هاتين الدولتين على شفا حرب طاحنة ستسفر إن اندلعت عن مئات الآلاف من القتلى أغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن. بينما ألمانيا التي تحتل المركز الرابع قبل بريطانيا فإن من أهم زبائنها الدولة العبرية وتركيا. ومعظمنا يتصور ما تفعل إسرائيل بسلاحها الذي يتم تخزينه لسواد عيون الفلسطينيين.

المسألة سهلة جدا. والتجارة شطارة كما يقال. ولكي تجعل زبائنك يتهافتون عليك طلبا لبضاعتك، ما عليك سوى أن تثير الذعر بأن حربا مقبلة ستشتعل في بلدتك، حتى يهرع الناس لشراء حاجاتهم التي ليسوا في حاجة إليها. وهذا ما تفعله الدول العظمى اليوم.

وللأسف نصدق في كل مرة نفس الكذبة! بل نقوم نحن بتحويل هذه الإشاعة إلى حرب حقيقية فيما بعد. ترى كم كسبت مصانع الدول التي تتاجر بالسلاح من مجرد كذبة محاربة الإرهاب؟ ترى أين هو الإرهاب اليوم ومن قام بتأسيسه في البداية والنهاية؟

وكم سحبت تلك الدول من خزائن دول المنطقة من مجرد نشر نظرية التمدد الإيراني والتي بدأ بعض مثقفينا للأسف الشديد بتسويقها، ومن ترويج أخبار انتشار خلايا القاعدة وازدياد خطر حزب الله والأحزاب الإسلامية؟ هذه موجودة بلا شك، ولكن السؤال يجب أن يطرح بشكل آخر: لماذا وجدت ومن ذا الذي قام بدعمها ومن هو المستفيد الأول والأخير؟

إن إيرادات المعارك الدائرة في العراق من بيع وشراء الأسلحة منذ سقوط أول قذيفة على بغداد قبل ثلاث سنوات حتى هذه اللحظة تشكل أكثر من ميزانية دول المنطقة مجتمعة. فكل عراقي يقتل يوميا يكلف مبلغا باهظا من ثمن السلاح. وكل سيارة مفخخة تكلف مبلغا باهظا أيضا.

وكل قذيفة تطلق تكلف مبلغا محترما من العملة الصعبة التي تدفع نقدا. هذا كما ذكرنا في فترة ثلاث سنوات فقط. فهل هناك دراسات توضح مدى إيرادات مصانع الأسلحة الغربية من الحرب العراقية الإيرانية ثم من بعدها غزو الكويت؟

ترى كم كانت قيمة الأسلحة مجتمعة التي استهلكها كل من حزب الله وإسرائيل؟ ألم تكن تلك المبالغ كافية لبناء آلاف المساكن لفقراء لبنان وإسرائيل وفلسطين؟ وكيف سمح لهؤلاء العقلاء بدفع تلك الأرقام الخيالية لتودع في حسابات مليارديرية الدول الصناعية التي لا ترحم؟

في عام 1993 طلبت وزارة خارجية الولايات المتحدة من سفرائها في العالم دعم العمليات التجارية لمصانعها ومنها مصانع الأسلحة! وهكذا تدخل جورج بوش الأب نفسه عام 1992 للسماح ببيع نوع من الدبابات إلى الكويت، وفي عام 1993 قررت الولايات المتحدة الأميركية إلغاء قرار حصار بيع الأسلحة إلى بعض دول شرق أوروبا وكثير من دول قارات العالم التي طالها ذلك الحصار.

إن الدراسات التي تنشر في هذا الخصوص تؤكد على أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تسيطر على سوق نظام التسلح ذي التقنية العالية في العالم مع بداية القرن الحادي والعشرين، وذلك من خلال الاحتكار وتطوير منتجاتها الحربية والتفوق على منافسيها.

فقد ولى عهد سباق التسلح مع غريمتها الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة. وأصبحت الفكرة اليوم اقتصادية مربحة أكثر منها دفاعية استراتيجية. ولن تستطيع الدول الأخرى منافستها بعد اليوم بسبب عدم امتلاكها للتمويل الكافي ولا للخبرة التكنولوجية المتطورة اللازمة. وبعد عشر سنوات ستجد الأسلحة المنافسة متأخرة بنفس القدر من التطور التكنولوجي.

إنها مسألة حسابية اقتصادية بحتة وضعت كل المبادئ الإنسانية في كفة ومصالحها الاقتصادية في كفة أخرى. وتقاطعت معها على الخط خطوط أخرى عمودية ورأسية معقدة ومتشعبة، ابتداء من إذلال الشعوب الصغيرة واستغلالها مرورا بأدوار سماسرة الأسلحة المنتشرين كالجرذان في كل بقعة من بقاع العالم بل حتى على مستوى رؤساء الدول وصولا إلى تحريك الآلة الصناعية والهيمنة الاستراتيجية والمصالح الدولية المتشابكة.

بعض الوثائق التي اكتشفت عام 1996 في شرق زائير كشفت في غمرة المذابح الجماعية في تلك المنطقة في ذلك الوقت بأن الأسلحة التي كان مصدرها إسرائيل وألبانيا قد تم شحنها إلى زائير على طائرة خاصة وفرتها شركة طيران جيت ليز انترناشونال (البهاما) المحدودة.

وبعد فترة قصيرة من الزمن تم اكتشاف وثائق أخرى في الأرشيف الحربي السري لحكومة رواندا آنذاك تشير إلى الدور الرئيسي الذي لعبته شركة ميل ـ تك البريطانية في سمسرة تلك الصفقة! (حسب منظمة العفو الدولية يوجد 300 سمسار أسلحة نشط في العاصمة لندن وحدها)، تلك قطرة من بحر، وما خفي أعظم.

وتظل تلك الدول الحرة وحتى هذه اللحظة تطعم أبناءها من لحوم البشر الذين ذبحوا بأسلحتها الفتاكة المتطورة على بعد عدة أميال من حدودها الإقليمية.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.aom