عندما أشار كابتن الطائرة بربط أحزمة المقاعد استعدادا للهبوط، لم أملك إلا أن أطلّ من نافذة الطائرة لأبحث عن أحد المعالم البارزة للمدينة التي كانت نفسي ترنو لزيارتها، تلك المعالم التي يعرفها الأطفال قبل الكبار، فلقد كنت في شوق شديد إلى استرجاع ذكريات رحلة قمت بها مع أبي قبل ستة عشر عاماً، ولكن الكابتن أصر على تحاشي تلك المعالم والمرور من فوق الحقول الزراعية التي تعودت رؤيتها في أوروبا.
وعندما خرجت من المطار ركبت أول سيارة تاكسي وطلبت من سائقها أن يسرع بي إلى الفندق، وكلما كانت السيارة تقترب من العنوان كلما زادت سرعة دقات قلبي التي توقفت لبرهة عندما تلاقت عيناي مع أجمل قطعة أثرية في المدينة... «قوس النصر» الذي استغرق المهندسون والفنانون أكثر من ثلاثين سنة لبنائه حتى يكون رمزاً يخلد انتصارات جيوش الإمبراطورية، وبالرغم من أن تلك الجيوش داست بجحافلها بعض الأراضي العربية، إلا أن روعة البناء ترغم المتمعن على الوقوف برهة أمام هذا النصب العظيم.
وما إن وصلت إلى غرفتي حتى رميت بأمتعتي وركبت الريح في جولة حول المدينة التي سميت بمدينة الأنوار لأنها كانت أول مدينة في أوروبا تضاء طرقاتها بمصابيح تعمل بالجاز عام 1828م، وخلال جولتي تذكرت كلمات «جان جاك روسو» قبل مئتين وستين عاماً حين قال: «ولد الإنسان حرّا، وهو في كل مكان مكبّل بالأغلال» فتحول قوله هذا إلى شعار ترفعه الشعوب طوال قرن كامل، وتحولت هذه المدينة إلى نبع للمد الفكري والأدبي والثقافي الذي سقى عقول الأوروبيين بغزارة تدفقه وفيض عطائه، فحررهم من رق العبودية وانطلق بهم إلى العالمية.
لا يملك الزائر إلى باريس وهو يقف أمام برجها الشهير إلا أن يذهل أمام روعة هذا البناء الذي خلد اسم مصممه المهندس «غوستاف إيفل» الذي أراده أن يكون البوابة التي تدلف منها فرنسا إلى عصر الصناعة عندما استضافت باريس المعرض الدولي عام 1889م ، ليبدع معلماً صنّفته اليونيسكو ضمن المعالم العالمية، وهو الذي زاره منذ تأسيسه وحتى اليوم أكثر من 216 مليون شخص، وهو الذي استحق مقولة: «إذا كان قوس النصر ينظر إلى التاريخ فإن برج إيفل ينظر إلى المستقبل».
وعلى مقربة من برج إيفل يطل متحف اللوفر الذي يعد أكبر متحف في العالم، والذي يحوي بين أروقته العتيقة أكثر من 400 ألف قطعة فنية، حتى ليشعر المتجول في تلك الأروقة أن التاريخ يتحدث إليه ويحكي له قصّة الحضارة في شتى بقاع الأرض، ولا يملك الواقف أمام لوحة الموناليزا إلا أن يفهم لماذا خرج سكان باريس يبكون في الشوارع عندما سرقت عام 1911م.
وخلف اللوفر يشرئب برجا كنيسة نوتردام التي استغرق بناؤها 145 عاماً قضى خلالها مئات الفنانين والمهندسين والمبدعين جل حياتهم في بحث دؤوب عن وسيلة تجعل من هذه الكنيسة أجمل كنائس العالم. وهي نفسها الكنيسة التي دارت حولها أحداث الرواية الشهيرة التي خلدت اسم الأديب الفرنسي «فيكتور هوغو» في عالم الأدب والتي سمّاها باسم بطلها البائس «أحدب نوتردام».
في باريس يشعر المواطنون بالفخر، لأن مدينتهم تحوي في كل ركن فيها قصة تروى، وفي كل زقاق يجد الزائر أثراً أو متحفاً أو مرسما، وإذا كان الإيطاليون يفخرون أن عصر النهضة قد بدأ في إيطاليا فإن الفرنسيين يحق لهم أن يفخروا أن «فولتير» هو الذي أعطى لتلك النهضة قيمة... ويحق لهم أن يفخروا بإحدى أعرق المؤسسات العلمية في العالم وهي جامعة السوربون التي وقفت شامخة تتلألأ علومها في سماء العلم طوال 750 عاماً... ويحق لنا أن نفخر بمعهد العالم العربي الذي يطل على ضفاف نهر السين ليلقي التحية باللغة العربية على كل من جاء إلى مدينة الفكر والثقافة والأدب... مدينة الأنوار.
في باريس تذكرت أنها ليست أقدم مدينة في التاريخ بعكس دمشق التي يعتقد الكثير من المؤرخين أنها أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وفي اللوفر اكتشفت أن معظم التحف الأثرية الموجودة فيه عبارة عن مسروقات أو مشتريات إن صح التعبير من حضارات وأمم أخرى غير فرنسا، وفي باريس أيقنت أن جميع ما فيها من ملامح الحضارات القديمة والتراث الإنساني لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من الإرث الحضاري الذي تزهو به القاهرة،
وأن صخرة واحدة من صخور الأهرامات تعادل جميع ما في باريس من تاريخ وتراث... فلماذا تكون باريس مدينة الأنوار وتبقى مدننا العربية مظلمة وكأن النور قد فارقها مثلما فارقت الابتسامة وجوه سكانها؟ إذا أردت الإجابة عن هذا السؤال فاذهب إلى الأهرامات وستعرف بنفسك...
كاتب إماراتي
yasser.hareb@gmail.com