لم يكن العرب، والفلسطينيون منهم أكثر استعداداً للدخول في عملية سلام جدية بمشاركة إسرائيل والمجتمع الدولي، أكثر مما أصبحوا عليه بعد قمة الرياض المتميزة التي انعقدت في الثامن والتاسع والعشرين من الشهر الماضي. الهجوم العربي من أجل السلام، جاء في توقيت مناسب وظروف مواتية ولكن ربما لتخفيف الأعباء من العرب أكثر مما هو قناعة بإمكانية تحقيق السلام مع الدولة العبرية.
فالمجتمع الدولي خصوصاً أطراف الرباعية، يبدي حماية أكبر واستعداداً أفضل لبذل المزيد من الجهد والوقت والإمكانيات، من أجل ضخ دماء جديدة في العروق المتجمدة، وتكثر الولايات المتحدة من الحديث عن فتح آفاق سياسية لتحقيق رؤية الدولتين لكنها تفتقد إرادة استخدام نفوذها من أجل الضغط على إسرائيل لمقابلة هذه الاستعدادات بخطوات إيجابية.
كما أن الفلسطينيين بعد اتفاق مكة وفي ضوء ما جاء فيه، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصبحوا أكثر جاهزية للدخول في عملية سلام جدية، حيث اتفق الشركاء الرئيسيون على برنامج سياسي، يطلق يد الرئيس ومنظمة التحرير في المفاوضات من أجل حل يعرض في حال التوصل إليه إلى استفتاء شعبي فلسطيني، أو يخضع لموافقة المجلس الوطني الفلسطيني.
غير أن كل هذه الاستعدادات قد تتحول إلى مجرد حركة علاقات عامة يستهدف الأطراف الرئيسيون من ورائها إلقاء كرة النار كل على الآخر، وتبرئة الذمم من عبء التعاجز أن تهمة غياب الرغبة في تحقيق السلام، خصوصاً وأن لكل طرف ما يشغله كثيراً عن قضية بحث السلام في المنطقة، ويحتاج لدعم الآخرين بعد انتزاع ذرائعيتهم.
الولايات المتحدة بحاجة لدعم العرب إزاء مغامرتها في العراق ولمجابهة الملف النووي الإيراني، وأوروبا بحاجة لاستغلال انشغال الولايات المتحدة وأزمتها في العراق والمنطقة من أجل تقوية دورها وحضورها ومصالحها في المنطقة، والعرب بحاجة إلى معالجة الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي من أجل تعزيز النظام العربي، ومعالجة بقية الملفات المطروحة.
وفيما كل له قضية، فإن قضية حكومة أولمرت يكمن في كيفية المواصلة، ومنع انهيارها في ضوء ضعفها، وما واجهته من فشل ذريع في حروبها ضد لبنان والفلسطينيين، وفي ضوء تدهور شعبيتها حسب استطلاعات الرأي التي تجري بين الحين الآخر.
وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تستعد للقيام بجولتها الرابعة خلال الشهر القادم كما تفيد بذلك مصادر أميركية مسؤولة، فيما لا ينقطع سيل الزيارات التي يقوم بها إلى المنطقة مسؤولون دوليون من الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وأطراف عديدة مهتمة، غير أن كل ذلك يصطدم بعجز إسرائيلي واضح عن مواكبة هذه التحركات.
حتى الآن تقف السياسة الرسمية الإسرائيلية عند حدود المواقف المعلنة التالية: أولاً: إسرائيل رفضت عرضاً تقدمت به رايس خلال جولتها الأخيرة للمنطقة، يقضي بالبدء بمفاوضات مع الرئيس محمود عباس حول قضايا الحل الدائم، وتكتفي بالموافقة على تكثيف اللقاءات بين رئيس الحكومة إيهود أولمرت والرئيس عباس لبحث قضايا إنسانية وإجرائية.
ثانياً: ترفض إسرائيل المبادرة العربية، سواءً من حيث الجوهر أو من حيث الآليات، فمن حيث الجوهر يرى نائب رئيس الحكومة شمعون بيريز أن« إسرائيل لا يمكنها قبول المبادرة العربية ( التي يصر على اعتبارها مبادرة سعودية) بسبب بندين، الأول المتعلق بحق العودة، والثاني المتعلق بموضوع القدس». بيريز يقول «ان إسرائيل لن تنسحب من القدس الشرقية في أية تسوية مع الفلسطينيين، ولن تنسحب من كافة المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بل إلى حدود متفق عليها» .
وهو يفهم قرارات الأمم المتحدة على أنها تطالب إسرائيل بالانسحاب إلى حدود متفق عليها وليس إلى ما بعد حدود الرابع من يونيو 1967، مما يعني أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تقيم عليها المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، ولا من المناطق التي يصادرها جدار الفصل العنصري الذي تقيمه على أراضي الضفة.
ثالثاً: تنظر إسرائيل للمبادرة العربية على أنها مجرد اقتراح، يترتب في ضوئه أن تقدم مقترحاتها، لبحثها في إطار قمة عربية تضمها إلى الفلسطينيين والمعتدلين العرب، ويدعو إليها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز. من الواضح أن إسرائيل تعتبر المبادرة سقفاً غير ممكن التحقيق للحل السياسي الذي ينبغي أن تؤدي له المفاوضات.
رابعاً: ترفض إسرائيل التعامل إيجابياً مع مجموعة العمل العربية المنبثقة عن قمة الرياض لتفعيل وتسويق المبادرة العربية والتي تنوي حسب مصادر مصرية مسؤولة، الاتصال بالحكومة الإسرائيلية من أجل شرح المبادرة.
وإذا كان معلوماً أن دولتين فقط هما مصر والأردن، من بين الدول التسع التي تتشكل منها مجموعة العمل العربية، هما اللتان ستتكفلان بالاتصال مع إسرائيل لأن لهما علاقات دبلوماسية معها، فإن هذا الاتصال عبثي ولا جدوى منه على الإطلاق، إذ أن إسرائيل ليست بحاجة لمن يشرح لها مبادرة مطروحة منذ خمس سنوات، والأحرى بالعرب أن يلتزموا وقف العلاقات مع إسرائيل التي لا تفهم سوى لغة الضغط والقوة.
خلاصة الموقف الإسرائيلي هي رفض المبادرة العربية بما هي عليه، ورفض الدخول في مفاوضات الحل الدائم مع الفلسطينيين، والسعي وراء لقاءات رسمية عربية مع إسرائيل بالقفز عن الشريك الفلسطيني، ومن أجل تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية بدون أن تقدم إسرائيل مقابل ذلك أي التزام بتسوية الصراع على أسس مقبولة.
وتأمل حكومة أولمرت في أن توظف علاقاتها بالولايات المتحدة، وقدرتها في التأثير على إدارتها، خصوصاً وأن هذه الإدارة، باتت تواجه صعوبات وتحديات داخلية حقيقية من قبل الديمقراطيين على خلفية فشل استراتيجيتها في العراق، فضلاً عن استثمار رغبة الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، في استمالة اليهود لصالح حملاتهم الانتخابية.
حكومة أولمرت تأمل في أن توظف ذلك لتأمين التغطية لسياستها، وتحويل وجهة الضغط نحو العرب والفلسطينيين من أجل تقديم المزيد من التنازلات لصالح الدولة العربية. بإمكان أولمرت أن ينقذ حكومته، وأن، يضمن لها الاستمرار بواحد من خيارين: الأول وهو يضمن له فوق ذلك، تبوؤ مكانة تاريخية في إسرائيل، لو حزم أمره باتجاه خوض عملية سلام جدية وقابلة للحياة والاستمرار. الثاني ويندرج في سياق ما عرف تاريخياً عن الحكومات الإسرائيلية الضعيفة التي تلجأ للحلول العسكرية وشن الحروب، لإسكات المعارضة وكسبيل للخروج من أزماتها.
وفي الواقع فإن مؤشرات الوضع الإسرائيلي، لا تفيد بأن حكومة أولمرت في وارد البحث عن مقومات تؤدي إلى توليد إرادة قوية تذهب نحو السلام، الأمر الذي يرجح استهلاك كل الجهد المبذول، والوقت المتاح بدون تحقيق شيء. ومن الواضح أن الحكومة الإسرائيلية تحضر نفسها لارتكاب عدوان واسع ضد قطاع غزة خصوصاً، وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة بصفة عامة، وهي الساحة المتاحة حالياً، من أجل استعادة بعض الهيبة التي فقدتها إسرائيل وجيشها في حرب يوليو العام الماضي على لبنان، والحرب المستمرة على الفلسطينيين ولضمان استعادة بعض الشعبية فضلاً عن التهرب من العملية السياسية.
الذريعة التي يطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس، الذي أمر جيشه بالتحرك بناء عليها، هي أنه لا يسمح بأن يكون قطاع غزة، جنوب لبنان آخر، ولتحطيم القدرة العسكرية المتعاظمة لحركة حماس والفصائل الفلسطينية. وفي هذه الحالة تكون إسرائيل قد أحدثت تحويلاً قسرياً في اتجاهات الحركة السياسية، فبدلاً من الركض أمامها بحثاً عن السلام تجعل الآخرين يركضون خلفها بحثاً عن التهدئة وتخفيف حدة العنف، ولكننا عند ذاك سنسأل: أما كان على العرب أن يحددوا خياراتهم الأخرى البديلة في حال فشل خيار واستراتيجية السلام؟
كاتب فلسطيني