عاشت الولايات المتحدة ـ العاصمة واشنطن بالذات ـ طيلة الأيام الأخيرة من مارس الماضي أجواء سياسية وفكرية عاصفة دارت في معظمها حول الحرب التي تخوضها أميركا حاليا في أرض العراق. صحيح أن الشعار المرفوع هناك يحمل لافتة «قوات التحالف» لكن المواطن الأميركي..
والناشط السياسي والمحلل والمفكر السياسي الأميركي يدرك بيقين كيف أن بلاده هي الأكثر تعاطيا مع الحالة العراقية بقدر ما أنها الأشد تورطا في أرض الرافدين، التي قرر جماعة المحافظين الجدد أن تغزوها رافعة، شعارات الدمقرطة وتغيير نظام الحكم وإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط، ونستطيع في هذا السياق أن نرصد ثلاثة تيارات أساسية مازال لها تأثيرها على مجريات السياسة الأميركية في المرحلة الراهنة، ومازالت ترفع لواء المعارضة ضد حرب العراق على ضوء التطورات التي استجدت على الموقف خلال الفترة القريبة الماضية.
أول هذه التيارات جاء مجسدا في التظاهرات العارمة التي شهدتها مؤخرا واشنطن والحواضر الأميركية الكبرى وقد ضمت عشرات الآلاف من رافضي استمرار الحرب في العراق.. وإذا كانت هذه الحشود قد ضمت الأفراد والعوائل الذين اعتبروا أنفسهم من ضحايا الموقف،
سواء بفقد شبابهم ضمن خسائر الأرواح تكاد تقارب الأربعة آلاف ـ أو كانوا من العناصر الواعية بمصالح وطنهم القومية ممن أدركوا بحكم المتابعة المتواصلة كيف أن العملية التي رفعت شعارات «الحرية الشاملة والديمقراطية الناجزة في العراق» كلفت خزينة بلدهم ثمنا باهظا ليس أقله ذوبان فائض الخزانة الذي خلّفته حقبة كلينتون السابقة دع عنك عشرات المليارات من الدولارات التي ما برحت تمول عملية العراق من أموال دافع الضرائب الأميركي.
ثاني هذه الخيارات هو تيار طبيعي أساسا ويتمثل في المعارضة التي يشتد ساعدها يوما بعد يوم بين صفوف الحزب الديمقراطي ونحن نتصور أن موقفها من الحرب يمثل في جوهره نوعا من المزايدة السياسية على الخصم الجمهوري الحاكم من ناحية، فيما يشكل من ناحية أخرى استغلالا سياسيا للأخطاء الاستراتيجية والعثرات التكتيكية التي ارتكبت ومازالت ترتكب في مسرح عمليات العراق من ناحية أخرى.
وإذا كان معارضو الحرب الذين تجمهروا حول النصب التذكاري لحرب ؟يتنام يوم الأحد 18 مارس الماضي قد تظاهروا واحتشدوا لأسباب مبدئية بالدرجة الأولى.. أو لأنهم اكتووا شخصيا بنار الحرب، سواء بفقد أعزائهم، أو بإحساسهم بالنزيف الاقتصادي الذي تعرضت له بلادهم ـ فإن معارضي الحرب من قيادات الحزب الديمقراطي يصدرون في رأينا عن محاولات لكسب ودّ الناخبين بمعنى أنهم يتحدثون عن مشاكل أميركا في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط بعامة.. ولكن عيونهم على أحدث استطلاعات الرأي العام في داخل أميركا ومدى اقترابها أو ابتعادها عن خط الجمهوريين.
أما التيار الثالث وهو الذي نهتم بطروحاته في هذه السطور فهو تيار المفكرين والمحللين السياسيين إزاء موقف أميركا في العراق، وفي هذا السياق تطالعنا التقديرات التي نشرتها مجلة «فورين بوليسي» المعنية كما يتضح من اسمها بالسياسة الخارجية (عدد مارس ـ ابريل 2007) بالرأي الذي يسجله البروفيسور جوردون آدمز، وهو باحث زميل في مركز ويلسون الدولي للبحوث،
وقد عمل كبيرا لمسؤولي ميزانية الأمن القومي في الفترة 1993 ـ 1997 ونقصد بذلك الرأي الذي سجلته دراسة آدمز عن تكاليف حرب العراق وفيها يقول: لقد كان تقدير البيت الأبيض هو أن عملية أميركا في العراق سوف تتكلف 50 مليار دولار.. وها هي العملية ـ الحرب تدخل في مارس الماضي سنتها الرابعة وقد زادت الفاتورة بمقدار عشرة أضعاف المبلغ المذكور.. ثم يخلص الباحث ليضيف عبارة لها مغزاها وهي: أن تلك هي فقط التكاليف التي «نعرفها».
وكأنه يشير من طرف خفي إلى ما قد يشكل نفقات غير منظورة.. فضلا عن إشارة لا تخفى أيضاً إلى أن هذه هي التكاليف حتى تاريخه ومن يدري بالطبع متى تنتهي هذه الحرب ومن يوقف هذا النزف الدولاري الخطير؟
في نفس الإطار تنشر «فورين بوليسي» في العدد المذكور ملفا لا يخلو من غرابة وطرافة لأنها تتناول موضوع العراق من الطرف الآخر للمعادلة حيث تصرف النظر عن طرح السؤال: من الذي خسر حرب العراق؟. وتفضّل أن تطرح السؤال المغاير أو البديل: ترى من الطرف الذي كسب أو فاز في حرب العراق؟!
وفي تحقيق صحافي يجسد الكفاءة المهنية تورد المجلة عشر إجابات أو بالأدق تنشر قائمة تضم عشر دوائر أو جهات تراها بمثابة الأطراف التي حققت بصورة أو بأخرى نقاطا من الفوز أو المكسب من جراء حرب العراق.. وهذه الأطراف العشرة تبسطها المجلة السياسية الأميركية، من وجهة نظرها طبعا، على النحو التالي:
(1) إيران: وهنا يقول الأستاذ والي نصر الزميل الباحث بمركز العلاقات الخارجية في واشنطن ان حرب العراق أخرجت إيران من عزلتها وهيأت لها أسباب الغلبة على صدام حسين بعد صراع دام 25 عاما وكفلت أسباب التمكين لعناصر موالية أو متعاطفة مع إيران في العراق.
(2) مقتدى الصدر: وهنا يقول وكستر فلكنز مراسل نيويورك تايمز في بغداد ان الحرب أمدت مقتدى الصدر - الذي يصفه بأنه رجل الدين الراديكالي الشيعي ـ بأسباب قوة وضَعْته في الصدارة بالعراق.
(3) القاعدة: وهنا يقول دانييل بإيمان كبير باحثي العلاقات الدولية بجامعة جورجتاون ان المنظمة المذكورة كانت تعيش على المسكنّات والمهدئات وماكينة القلب الاصطناعي بعد 11 سبتمبر إلى أن فتح (الأميركان) جبهة جديدة في بغداد فأخرجوها من غرفة الإنعاش.
(4) صمويل هنتنغتون: وهنا يقول ديفيد فروم كاتب الخطابات الرئاسية بالبيت الأبيض سابقا ان حرب العراق قدمت ترجمة فعلية وميدانية لنظرية البروفيسور هنتنغتون عن «تصادم الحضارات».
(5) الصين: وهنا يقول الأستاذ ستيف تسانغ الباحث بجامعة أكسفورد ان أخطاء أميركا في العراق هيأت السبيل إلى قيام وصعود قوة عظمى جديدة (اسمها الصين) في عالم اليوم.
(6) المستبدون العرب: وهنا تقول مارينا أوتاوي مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي الأميركية للسلام ان الرجال الأقوياء في الشرق الأوسط كانوا يرزحون تحت ضغوط تطالبهم بالإصلاح لكن ها هم الآن (بعد حرب العراق) وقد باتوا يتنفسون الصعداء.
(7) أسعار البترول: وهنا يقول بيل إيموت رئيس التحرير السابق لمجلة «الإيكونومست» ان حرب العراق أطلقت أسعار البترول من عقالها لترتفع إلى أرقام قياسية سوف تنعم بها الدول النفطية لسنوات قادمة.
(8) الأمم المتحدة: وهنا يقول مارتن وولف كبير المحررين الاقتصاديين في جريدة ؟اينانشيال تايمز ان المنظمة الدولية العتيدة وجدت نفسها على حين غرة وقد بدأ الناس يأخذون سياستها العالمية المتعددة الأطراف على محمل الجدية.
(9) أوروبا القديمة: وهنا يقول جياني روتا كبير معلقي القناة الإخبارية في إيطاليا.. ان أوروبا القديمة ـ أو فلنقل العجوز ـ باتت في ضوء نتائج حرب العراق تعيش وضعا أقرب إلى بهجة التشفي، ولسان حالها، أو بالأدق لسان حال سفرائها الذين يجوبون أنحاء المعمورة يقول في أدب دبلوماسي لا يخفى: ألم نقل لكم.. ألم نحذّركم؟، والمعنى ـ بطبيعة الحال ـ هو أن العناصر الأوروبية التي رفضت فكرة شن الحرب على العراق ناهيك بوضع هذه الفكرة موضع التنفيذ.. أصبح الناس ينظرون إليها بوصفها منبع الحكمة والرصانة والتبصّر في عواقب الأمور.
وأخيرا تعترف مجلة «فورين بوليسي» بأن الرابح العاشر ـ وربما يكون المهم ـ اسمه: إسرائيل. وفي هذا السياق يكتب أماتزيا بارام وهو أستاذ بجامعة حيفا.. وقد يثير اهتمامنا أيضاً أنه يعمل مديرا لمركز دراسات إيران ومنطقة الخليج في الجامعة المذكورة. والرجل يلخص المكسب الإسرائيلي في عبارة محكمة السبك يقول فيها:
ـ إن حكاية المغانم التي كسبتها إسرائيل في العراق هي حكاية تصر على أوضاع مفترضة أو على أمور أو احتمالات كان يمكن أن تحدث، وبعدها يوضح الكاتب الإسرائيلي أن حرب العراق أسقطت نظام صدام حسين، وبالتالي أغلقت فصلا من الدعم الذي كان يقدمه العراق إلى الفلسطينيين.. وقبل الحرب انتشرت الأخبار على نطاق واسع ـ ومغلوط أيضاً كما يضيف أماتزيا بارام ـ بأن صدام حسين كان يطور أسلحة نووية بعد أن منع مفتشي الأمم المتحدة من دخول العراق في يناير عام 1998.
ولما كان من الصعب التنبؤ بمسار عملية صنع القرار في ظل نظام العراق السابق فقد ظلت إسرائيل ترى في حكاية السلاح النووي تهديدا محدقا وخطرا جسيما.. ومن ثم كان سقوط نظام بغداد يشكّل إزاحة لطائلة هذا الخطر بقدر ما كان عبرة أو درسا تلقته دوائر عربية أخرى مما أضاف مزيدا من راحة البال إلى إسرائيل.
وحين يواصل بارام هذا المنطق يقول: لو كان صدام حسين قد استمر في الحكم حتى سنة 2004 لاستطاع أن يستغل الارتفاع الشديد في أسعار البترول ولأدى أي تحسن في علاقاته مع سوريا إلى مزيد من دعم حزب الله المعادي لإسرائيل في لبنان.. و.. هكذا حسبها الباحث الإسرائيلي وهو يعدد مكاسب إسرائيل من جراء حرب أميركا على جبهة العراق..
وقد يسترعى أنظارنا أن يأتي في سياق مداخلته المنشورة عبارات يقول فيها: لو كانت الأمور قد جرت وفق تلك التطورات لكان محتملا أن تندلع الحرب ولوجدت إسرائيل نفسها في وضع مماثل لما حدث في حرب 1973 التي شهدت قوة مسلحة عراقية جيدة المعدات وهي تقدم دعما لا يستهان به للقوات المسلحة السورية.
من جانبنا نشير في معرض التعليق إلى أن الذي حدث طبعا أنه لم تندلع حرب بل سقط النظام في بغداد وثبت أنه لم يكن يحوز أسلحة نووية.. وزال شبح التهديد من أمام إسرائيل.. التي ما برحت تحقق المزيد من المكاسب من جراء الموقف الملتهب في العراق.. ولو على حساب أميركا نفسها.
كاتب مصري