يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن، ولا نرى داعياً لهذا الحديث الذي لا ينفع أحدا بقدر ما يضر كلا طرفيه موسكو وواشنطن، وعلينا ألا نسلم بمقولة قديمة رسخها البعض تقول ان «قدر هذين البلدين أن يظلا في صراع»، هذا ليس صحيحاً، واختلاف الثقافات والأهداف والمصالح والسياسات لا يعني ضرورة الصراع،
بل في الغالب على العكس يخلق هذا الخلاف والاختلاف فرصا كثيرة للالتقاء لأنه يخلق نوعا من تباين المصالح ويتيح الفرص لتبادل هذه المصالح المتباينة في إطار علاقات براجماتية تقوم على التعاون المتبادل من أجل تحقيق مصالح كلا الطرفين، وهذا في حد ذاته قدر الدول الكبيرة والمتنوعة المصالح، أن تلتقي وتتقارب أكثر من أن تعادي بعضها البعض،
من أجل هذا فإنه يجب على كل من روسيا والولايات المتحدة في تعاملهما الثنائي أن يحددا بصراحة تامة لبعضهما مجالات مصالحهما، ويتفقا ليس فقط على نقاط الاتفاق والتلاقي ولكن أيضاً على نقاط الخلاف، مثلما كان يحدث بينهما في زمن الحرب الباردة في إطار التسلح النووي الذي استطاعا معا وبالحوار أن يضعا له قواعد لا يمكن الخروج عنها.
ينبغي على موسكو أن تحدد مبادئ ومضمون سياستها تجاه الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة كي لا تكون واشنطن هي من يتحكم في العلاقات الثنائية من منطلق المصالح الأميركية، وينبغى أيضاً على روسيا ألا توسع الآن من نطاق مصالحها الاستراتيجية على الساحة الدولية حتى لا تصطدم بالمصالح الأميركية المنتشرة تقريبا في كل أنحاء العالم،
وبالتالي حتى تكون روسيا مقنعة للآخرين عليها أن تحدد أولوياتها، وأن تضع على رأس أولوياتها القضايا أو المناطق التي لا يجادلها أحد في أنها من حقها، ويأتي على رأس هذه الأولويات الجوار السوفييتي السابق، أي الجمهوريات المستقلة والتي تربطها بروسيا علاقات قوية في كافة المجالات وعلى المستويين الرسمي والشعبي،
خاصة وأن لدى روسيا أكثر من عشرين مليون مواطن روسي يعيشون في هذه الجمهوريات المجاورة، الأمر الذي يطرح أولوية لروسيا في حماية رعاياها ومصالحهم، وثانيا المجال الأمني الروسي في هذه الجمهوريات والذي تحاول الولايات المتحدة اختراقه بين الحين والآخر، ومن حق روسيا أن تحمي أمنها المرتبط مباشرة بأمن الجمهوريات المجاورة،
خاصة وأنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الآن لا أحد يستطيع أن يقول ان أمن كل دولة من الدول الخمس عشرة المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي قد أصبح مستقلا تماما عن جيرانه، فالحدود مازالت مفتوحة في أجزاء كثيرة منها، والمجالات الجوية مازالت لا يحكمها نظام محدد بل كل جمهورية تفعل ما تشاء وبدون التنسيق مع جيرانها، وما زالت الخطوط الجوية بين الجمهوريات مفتوحة بدون قواعد طيران دولية، أي أنها مازالت منظومة داخلية،
ولا غبار في ذلك حتى وإن استمر الحال على ما هو عليه، ولكن باعتبار روسيا الدولة الأكبر وصاحبة الحدود المفتوحة مع الجميع فإن من حقها ضمان أمنها الجوي، ولا يحق للولايات المتحدة أن تستخدم أي مجال جوي لأي جمهورية ملاصقة لروسيا إلا بعد موافقة موسكو والتنسيق معها، وقد دأبت واشنطن على خرق هذا النظام باستمرار، ولجأت مؤخرا لوضع رادارات قوية وحديثة في جمهورية أذربيجان للتجسس والتشويش على الأجواء الروسية، وهو الأمر الذي حذرت منه روسيا كلا من واشنطن وباكو.
وفي المجالات الاقتصادية والتجارية لا يجوز لموسكو أن تكون غارقة في التفاؤل بل ينبغي عليها أن تتصرف من منطلق المصالح الوطنية الروسية ولا تندفع وراء طموحات وأحلام أكبر من إمكانياتها وأبعد بكثير عن طموحات شعبها ومصالحه، فامتلاك روسيا لمصادر طاقة هائلة من نفط وغاز وغيرها، وامتلاكها لوسائل نقل هذه الطاقة للأسواق العالمية التي هي في أمس الحاجة لها لا يجب أن يدفع موسكو لتغليب مصالح واستراتيجيات سياسية خارجية على مصالحها الوطنية،
عليها أن تثبت للآخرين حسن نيتها في الأسواق، وأنها لا تنوى على الإطلاق استخدام مصادر الطاقة لأي أهداف سياسية، وعليها أيضاً أن تنسق مع عمالقة سوق الطاقة العالمي سواء من المنتجين أو المستهلكين الكبار أيضا، فكما أنها تسعى للتقارب وبقوة مع الصين والهند كمستهلكين كبار للطاقة عليها أيضاً أن تسعى للتقارب مع مستهلك أكبر وهو الاتحاد الأوروبي ومع منتج ومستهلك وتاجر كبير في السوق مثل الولايات المتحدة،
ولن تستطيع روسيا أن تحقق مصالحها الاقتصادية بشكل جيد إلا إذا تخلت عن فكرة المنافسة القوية التي عادة تكون مدفوعة بأسباب سياسية، وعلى الولايات المتحدة وخاصة شركاتها العملاقة في الطاقة أن تسعى للتقارب والتفاهم مع روسيا، وأن تتخلى هي أيضاً عن سياسة المطاردة في الأسواق،
وكلنا نعلم أن الولايات المتحدة لا تلقي بالا إلا إلى لغة المصالح الوطنية وهي لا تفعل شيئا ينافي مصالحها، ولكن هذا ليس هو العيب أو العقبة التي يجب أن نقف عندها، خاصة وأن دولا كثيرة تعاملت مع الولايات المتحدة على هذا الأساس ولم تعان كثيرا بل حققت مكاسب كبيرة لم تكن تحلم بها، ولدينا اليابان وألمانيا أمثلة واضحة لذلك.
الفرصة الآن مواتية كثيرا للتقارب والتفاهم والتقاء المصالح بين موسكو وواشنطن أكثر مما كانت عليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، حيث كانت واشنطن تنظر لروسيا على أنها فريسة سهلة المنال، أما الآن فإنها تعي جيدا أن روسيا استعادت الكثير من قوتها وعافيتها وأصبح من المستحيل إخضاعها والسيطرة عليها، وهذا يعطي فرصة أكبر للتفاهم والحوار والتقاء المصالح.
ويجب على واشنطن أن تبتعد عن الصغائر التي تضايق روسيا منها والتي كثيرا ما تعكر مناخ التفاهم واللقاء بينهما، مثال على ذلك تصريحات بعض الساسة الأميركيين التي تسترجع صدى الحرب الباردة، كمن ينادون في واشنطن بوضع روسيا ضمن محور الأعداء، ومن ينادون بدعم الانفصاليين والمتمردين داخل روسيا، ومن يستخدمون لغة وشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لتوجيه انتقادات للكريملين،
وهي الشعارات التي أسقطتها واشنطن نفسها من حساباتها تماما في إطار حملتها المزعومة على الإرهاب، الأمر الذي يعني أن على موسكو وواشنطن أن يكشفا لبعضهما كل أوراقهما المقلوبة والتي يتحاشون الحديث عنها في حوارهما الدبلوماسي، وعلى الطرفين أن يتعاملا بصراحة أكبر في الملفات الساخنة مثل النووي الإيراني والكوري ومثل رواسب الصراع في البلقان وأزمة استقلال كوسوفو،
ومثل الصراع الدائر في الشرق الأوسط وخاصة بين العرب وإسرائيل والأزمة اللبنانية، والذي تسعى كل من واشنطن وموسكو إلى الإمساك بأكبر قدر ممكن من الأوراق ضد بعضهما فيه بهدف الهيمنة من جانب واشنطن وتفعيل الدور وإثبات الوجود من جانب موسكو. نقاط الخلاف بين روسيا وأميركا كثيرة ولكن نقاط اللقاء بينهما أكثر، وترتيب أولويات المصالح بينهما سيفتح المجال أكبر للتفاهم،
وسيكون هذا في النهاية مفيدا للطرفين ومفيدا في نفس الوقت لكافة الأطراف على الساحة الدولية، يجب على كلا البلدين ألا ينصتا لنداءات البعض التي تدفع للتصعيد بينهما، يجب عليهما معا أن يحددا من العدو ومن الصديق، خاصة وأن هناك أطرافا على الساحة الدولية تسعى لزرع الخلافات وتضخيمها بين الطرفين، وهو الأمر الذي يجب ألا يقع فيه أحدهما. ومن يريد أن يكسب روسيا لصفه وجب عليه ألا يكون خصما عنيدا لأميركا، ومن يريد أن يكسب أميركا عليه أيضاً أن يراعي مصالح ومكانة روسيا ولا يعوق مصالحها على الساحة الدولية.
جامعة سيبيريا