شارفت بورصة دبي للطاقة على إطلاق عقود النفط الخام الآجلة، وهي لحظة ستكون حاسمة ودقيقة ليس فحسب على مستوى الدولة، وإنما على الصعيدين العالمي والإقليمي ولاسيما بالنسبة للدول الخليجية المنتجة للنفط التي سيكون بمقدورها امتلاك مقدرات أغلى ثرواتها على الإطلاق، وهي الثروة النفطية، بأن يتاح لها إمكانية الاعتماد على آلية بورصة دبي للطاقة في تسعير صادراتها النفطية،
وبالتالي، تصبح مؤازرة ودعم هذه الدول بمثابة بيت القصيد لنجاح مثل هذه الآلية، حتى تبرز ويشتد عودها بما يعينها على البقاء والازدهار. وتقفز المملكة السعودية إلى قلب هذه المعادلة الصعبة، حيث يرى محللون أن نجاح عقود النفط الثقيل الآجلة التي سيجري تداولها في بورصة دبي للطاقة يعتمد على الدعم السعودي لهذه العقود، وذلك بحكم أن السعودية تعتبر المورد الرئيسي للنفط إلى الأسواق الآسيوية. فإذا ما تمتعت هذه العقود بالدعم السعودي ـ من وجهة نظر بعض المحللين ـ فإن نجاحها سيصبح في حكم المؤكد.
وهكذا، فإن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين هو ما إذا كانت الدول الرئيسية المنتجة للنفط ستتجه إلى الاعتماد على بورصة دبي للطاقة كآلية لاستكشاف سعر مبيعاتها النفطية للأسواق الآسيوية، أم أنها ستفضل نهج الترقب والانتظار لردود أفعال السوق على إطلاق عقود النفط الثقيل الآجلة.
ويكمن في الإجابة على هذا السؤال التحدي الرئيسي الذي تواجهه البورصة، ويتمثل في كيفية ضمان نجاح عقودها الآجلة، وضمان التفاعل الإيجابي للسوق مع هذه العقود، وذلك إذا ما اتخذت الدول المنتجة للنفط والتي يرتهن عليها نجاح العقود موقف الترقب والانتظار، حيث يؤدي مثل هذا الوضع إلى خلق ما يشبه بالدائرة المفرغة والتي يعتمد الخروج منها على مساندة ومؤازرة الدول الخليجية.
وما يزيد صعوبة هذا التحدي، واقع أن الدول المنتجة للنفط في الخليج غير معتادة على الأسلوب الآجل كآلية في تحديد واستكشاف الأسعار، حيث ارتطمت على صخرة هذا التحدي محاولات البورصات الكبرى في العالم بما فيها بورصة نيويورك التجارية وبورصة طوكيو في إطلاق سوق آجل للنفط الثقيل، وهو ما اقتضى من بورصة دبي للطاقة بذل جهود ضخمة لتغيير نظرة اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط إلى أهمية عقود النفط الآجلة في تسعير مبيعات النفط الثقيل للدول الآسيوية.
ويمس هذا الأمر قضية تسعير المبيعات النفطية التي تشكل شريان اقتصاديات الدول النفطية، ولذلك، فمن المأمول أن تقلع هذه الدول عن التصرف بحسب الحكمة القائلة «إن ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه» أي تفضيل العمل بما هو مألوف ومعتاد لها، عن تجريب أنظمة تسعير جديدة، ومن المأمول كذلك أن تنظر هذه الدول إلى الفوائد التي ستتحقق لها من جراء وجود آلية تسعير تجسدها بورصة دبي للطاقة، سواء من ناحية معالجة أوجه الضعف التي يعاني منها النظام الحالي لتسعير النفط،
بما ذلك الاعتماد المفرط على سوقين يحظيان بشهرة واسعة النطاق، وهما بورصة نايمكس وبورصة البترول الدولية بلندن، أو من ناحية تحسين مستويات الشفافية والكفاءة في أسواق الكفاءة، أو من ناحية قيام بورصة دبي للطاقة بطرح عقود متسقة مع المؤشرات المرجعية في مجال تسعير النفط. وتبرز مثل هذه الفوائد جلية للعيان في ضوء تعدد أوجه القصور والعيوب لنظام التسعير الحالي، حيث صاحب هذا النظام، بروز اختلال في التوازنات بين السوقين الأوروبي والأميركي من جهة والأسواق الآسيوية من جهة أخرى،
فضلاً عن خلل آخر في التوازن بين خامات النفوط المرجعية، وذلك بسبب أوجه عدم التماثل الموجودة بين تلك الأسواق الثلاثة، وهو الأمر الذي قاد إلى نشوء فجوة توقيت في تغييرات الأسعار بين الأسعار في السوق الآسيوي وتلك الموجودة في الأسواق الأميركية والأوروبية، وارتفاع الأسعار بالنسبة للأسواق الآسيوية بالمقارنة مع الأسعار في السوقين الأميركي والأوروبي.
والأهم من الفوائد المذكورة آنفاً، هو امتلاك الدول الخليجية النفطية آلية تسعير تعبر عنها، وعن الظروف السائدة في أسواقها، وهو ما يعزز من سيطرتها على مواردها النفطية، وتحقيقها أقصي استفادة منها، وبالتالي، فمن شأن احتضان هذه الدول لآلية التسعير الجديدة أن يقدم دليلاً آخر قوياً على متانة التكامل الخليجي، وتخندق دوله في خندق واحد، وهي تصبو إلى تحقيق المزيد من الرخاء والنمو الاقتصادي، وبحيث يصبح وقوع البورصة في المنطقة الأكثر ثراء بالنفط أحد روافد قوتها قولاً وفعلاً.