إنهم يحرسون المسؤولين الأميركيين، ويقومون بدوريات في المنطقة الخضراء، وهي المقر الرئيسي الأميركي في العراق، ويزودون بالغذاء والنفط، وينظفون الثكنات، ويصلحون الماكينات. وهم ليسوا جنوداً أميركيين، وإنما هم متعاقدون خاصون، فقد قامت إدارة بوش بخصخصة الحرب.

ويتألف ثاني أكبر جيش في العراق من قوات أمن مسلحة يوفرها المتعاقدون الخاصون. وهم يتصرفون باعتبارهم فوق القانون وبخطوط سلطة غير واضحة، وهم يعملون في الخارج، وبالتالي فهم إلى حد بعيد خارج مطال القانون الأميركي.

وهم يعملون وفق عقد مع الحكومة الأميركية، ومن ثم فهم خارج مطال القانون العراقي، على نحو ما هو منصوص عليه في أمر أصدرته السلطة الأميركية هناك قبل تسليم مقاليد الأمور إلى الحكومة العراقية. وعندما كشف النقاب عن فضائح سجن أبو غريب كان في قلبها قوات أمن ومحققون خاصون ولكن ما من أحد منهم تم تحميله المسؤولية بمقتضى القانون.

والولايات المتحدة ليست هي وحدها التي خصخصت الحرب، فقد حذا البريطانيون حذوها كذلك. وقد ذكرت المؤسسة الخيرية البريطانية «الحرب على العوز» العام الماضي أن هناك ثلاثة من الحرس الخصوصيين البريطانيين لكل جندي بريطاني في العراق، ويوشك المحققون التابعون للكونغرس الأميركي على التوصل إلى إساءات وعمليات فساد هائلة النطاق في العراق،

ولكن المرتزقة يعملون في مختلف أرجاء العالم، ففي عام 1998 على سبيل المثال تورط عملاء «دانيكور للأمن» في البوسنة في فضيحة عبودية جنسية طارت شهرتها في مختلف الأرجاء، وقامت الشرطة على وجه السرعة بسحب 13 عميلاً من البوسنة، ولم ترفع دعوى قضائية على أي منهم.

ويعمل المرتزقة المحدثون متحررين إلى حد كبير من التدقيق أو المراجعة الحكوميين. والسرية تحيط بعقودهم وبأنشطتهم، والشركات، على العكس من الهيئات الحكومية، ليست خاضعة لقانون حرية المعلومات وغالباً ما تتجاهل التحقيق الذي يجريه الكونغرس. وقد سعى أعضاء الكونغرس ـ بلا نجاح حتى الآن ـ للحصول على تفسير للعقود التي حصل عليها ضباط شركة بلاكووتر في العراق.

وفي عهد جورج دبليو بوش، تضاعف حجم نشاط المتعاقدين الخاصين بصفة عامة ليصل إلى 400 مليار دولار سنوياً في عام 2006، حيث ان الإدارة تدفعها فلسفة من شأنها خصخصة كل ما تستطيعه. وأخيراً وبعد أن أحيا الديمقراطيون تقليد المراجعة من جانب الكونغرس فإن الأسئلة عادت لتطرح من جديد.

والأمر برمته يتحول إلى فضيحة مدوية. وقد أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» في يونيو الماضي أن إدارة الخدمات العامة في ضوء معاناتها من نقص الموظفين الضروريين لمراجعة حالات الافتقار إلى الكفاءة وكذلك الغش من قبل المتعاقدين الاتحاديين واتفقت بالفعل مع متعاقد خاص للقيام بهذا التحقيق.

وكان هذا المتعاقد، وهو شركة سي إيه سي آي إنترناشيونال، قد أفلت بالكاد من رفع اسمه من قائمة التعاقد الاتحادي لدوره في جرائم أبو غريب. وقام هذا المتعاقد بإمداد إدارة الخدمات العامة بستة أشخاص بأجر 104 دولارات في الساعة أي ما يزيد على مئتي ألف دولار للشخص الواحد منهم سنوياً.

هذه الجيوش الخاصة قد تصبح هي ذاتها مشكلة وقد تحدثت صحيفة «الغارديان» عن مؤامرة بالغة الغرابة في غينيا الاستوائية، حيث تم إلقاء القبض على 67 مرتزقاً أجنبياً، فيما يمكن أن يكون محاولة تم احباطها للإطاحة بدكتاتور ذلك البلد الغني بالنفط. ووجه جان برتران أرستيد رئيس هاييتي السابق الاتهام بأن الحرس الخاص الذي كان يفترض أن يحميه تخلى عنه بناء على أوامر من الحكومة الأميركية عندما جرت الإطاحة به من الرئاسة.

إذا كانت الخصخصة لا تقدم أي وفورات وتتيح المجال لمثل هذه الإساءات فلماذا واصلت النمو؟ إن جانباً من السبب في ذلك هو العداء للحكومة من جانب المحافظين المحدثين. وجانب منها يرجع إلى التظاهر والادعاء السياسيين.

لقد بدأ الكونغرس مناقشة كبرى حول السياسية الأميركية في العراق، لكن من المهم أن يحقق، على نحو ما وعد سناتور جو بايدن وعضو مجلس النواب هنري واكسمان، في خصخصة الحرب. وهذه الخصخصة ينبغي أن توضع تحت السيطرة قبل أن يجد الكونغرس نفسه، تماماً كمجلس الشيوخ الروماني في نهاية الجمهورية الرومانية، مواجهاً بجيوش من المرتزقة تستعصي على السيطرة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»