الفوضى على النقيض من النظام، قد يعتبرها البعض نظاماً من نوع خاص، معالمه غير واضحة وغير مفهومة، وآليات عمله مختلفة عن أنماط العمل التي تعارفنا عليها، وهي بالتالي، عند سيادتها، تفرز نتائجها كما تفرز الحالة النظامية نتائجها، إلا أن هذه النتائج قد لا تكون متوقعة. والنظام هو ما يمكن إدراكه أو رؤيته أو التعامل معه بسهولة لأن هنالك وضوحاً في الاصطفاف ووضوحاً في المداخل والمخارج و في الطروحات.

فالنظام هو ما يميز حياتنا اليومية التي أصبحت مبرمجة في إطار زمني تفرضه طبيعة العمل والعلاقات الاجتماعية لهذا الفرد أو ذاك، وحين يصبح هذا البرنامج عرضة للانتهاك ويصبح من الصعب الاستمرار بالالتزام به، نكون قد دخلنا في فضاء الفوضى.

لقد شغل موضوع الفوضى المحافل العلمية على مدى طويل، إذ لم يتمكن العلماء من صياغة قوانين، تعبر عن سلوك عناصر المنظومات التي يتسم سلوكها بالفوضى كالمنظومات الغازية، مشابهة للقوانين التي صيغت للتعامل مع المنظومات الميكانيكية والكهربائية، أي القوانين التي تتنبأ بمستقبل حدث معين من خلال معرفة بداياته، مما كان من نتائجه التشظي في الفكر الفيزيائي واللجوء إلى اعتماد أسس وأساليب متباينة في عرض وشرح الظواهر الطبيعية.

الفوضى أحد فروع العلم الحديث وهي تُعنى بدراسة الظواهر في المنظومات المعقدة التي لا تخضع للقوانين الأخرى المعروفة في الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الحياة، وقد برزت أهميتها مع الاختراقات العلمية المتميزة التي تحققت في مطلع القرن العشرين على مستوى البنى الصغيرة للمادة، مستوى الذرات والجسيمات الأساسية المكونة للمادة،

والتي دفعت عجلة العلوم بقوة إلى الأمام لتفتح آفاقاً واسعة رحبة كان من نتائجها توافر المزيد من المعرفة عن الطبيعة وتوافر الفرص لتحقيق المزيد من القدرات لتحقيق تقدم في التطبيقات التكنولوجية خاصة في مجال الطاقة النووية. ولأهمية هذا الموضوع ودوره في تقدم العلوم والتكنولوجيا أصبحت هنالك دوريات خاصة تُعنى بنشر الأبحاث الخاصة في هذا المجال.

وتعتمد دراسة المنظومات المعقدة في حالات كهذه على نظرية الاحتمالات التي تطورت كثيراً في هذا السياق لتصبح لها القدرة على استنباط القوانين التي تعبر عن سلوك منظومة كبيرة معقدة من خلال دراسة عشوائية السلوك لعناصر هذه المنظومة. وقد تبين لاحقاً مدى أهمية هذه النظرية في دراسة السلوك المجتمعي والتنبؤ بالظواهر المناخية ومتابعة مسارات أسواق العملة والاقتصاد والتجارة وفي مجالات أخرى لا حصر لها.

ولعل أهم ما ترتب على دخول نظرية الفوضى في بنية العلوم الحديثة هو التحول في الأطر الفلسفية من «الحتمية» التي تميزت بها علوم وفلسفات القرن التاسع عشر إلى «اللا حتمية» التي تتميز بها العلوم والفلسفة في عصرنا، والتي تشكلت بداياتها في ثلاثينات القرن المنصرم.

هنالك قاعدة عامة في العلوم الطبيعية استنبطت من خلال دراسة عدد كبير من المنظومات، وهي نزوع طبيعي لأية منظومة نحو حالة الاستقرار، أي تَمَلُك الحد الأدنى من الطاقة التي تسمح لها بالمحافظة على عناصرها والمحافظة على علاقاتها مع عناصر المنظومات الأخرى.

برزت في السنوات الأخيرة طروحات جديدة في عالم السياسة، وهي توظيف مصطلح الفوضى الخلاقة في التحليل السياسي، وهو مصطلح ورد لأول مرة على لسان السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية.

ففي أبريل من عام 2004،

ورداً على محرر صحيفة الواشنطن بوست الذي تشكك بفرص تحقيق الديمقراطية في دول الشرق الأوسط من خلال قوله إن ما يجري هناك لا يترك مجالاً آخر سوى الاختيار بين الفوضى أو سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة، ذكرت رايس «إن الوضع الحالي ليس مستقراً وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي من نوع الفوضى الخلاقة التي ربما تنتج في النهاية وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً». إلا أن رايس لم تبد أي اهتمام بإيضاح المعنى المقصود بهذا المصطلح الذي أدخلته إلى عالم السياسة.

من الممكن الربط بين سيادة الفوضى وعملية الإبداع، فإحدى أهم آليات الإبداع هي الخروج عن رتابة ما هو مألوف من أنماط وأفكار وسلوكيات والابتعاد عن ركود الحياة ورتابتها والدخول في فضاءات الفوضى في انتظار حدوث إحدى العثرات التي تكشف وعياً جديداً لمسألة ليست جديدة، وقراءة جديدة لواقع حدث في الماضي، أو فكرة لم تخطر على بال أحد من قبل.

إن ذلك أمرٌ مقبول على مستوى الفرد، فجموح تفكير الفرد وتمرده، مهما بلغ في شدته، لا يلحق ضرراً كبيراً بالمجتمع، ولكن ما الذي يترتب على دفع مجتمع كامل نحو حالة الفوضى والوقوف موقف المتفرج إزاء ذلك، وما هو الثمن الذي سيدفعه هذا المجتمع للوصول إلى حالة استقرار قد يقود إليها أحد المسارات الممكنة للخروج من دوامة الفوضى والتي قد لا تكون في صالحه؟، أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح في هذا السياق عن المغزى من تسويق هذا المصطلح.

لا شك أن لمصطلح «الفوضى الخلاقة» جاذبية خاصة، فله بُعدٌ أكاديمي وله كذلك عُمقٌ فلسفي، إلا أن له أبعاده السياسية بكل تأكيد، إذ ليس من قُبيل الصدفة أن يرد على لسان أكبر مسؤول عن السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، كوندوليزا رايس، التي دخلت عالم السياسة من خلال الكرسي الأكاديمي المتميز في العلوم السياسية الذي شغلته في واحدة من أشهر الجامعات الأميركية، بل الأرجح أن هذا المصطلح قد دُرس بشكل مكثف وبعناية فائقة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة البعيدة المدى، وهو البقاء كقوة عظمى وحيدة في العالم.

إلا أن توظيف هذا المصطلح يخدم أغرضاً أخرى مرحلية يمكن تلخيصها برغبة الولايات المتحدة في شل المنظمات الدولية، وخاصة منظمة الأمم المتحدة، ومصادرة قراراتها ومنعها من التدخل في النزاعات الإقليمية والمحلية بغية التفرد في معالجة ذلك. كما يمكن أن يخدم هدفاً آخر وهو تغطية فشل السياسة الأميركية في التعامل مع قضايا كثيرة في العالم أبرزها المسألة العراقية.

إن تبني هذه النظرية في السياسة الدولية أمر على قدر كبير من الأهمية والخطورة ويمثل تحولاً لا يدفع ثمنه سوى الشعوب التي تمزقها صراعات داخلية، فهي تعني ضمنياً ترك الأمور تجري دون حراك من المجتمع الدولي لتصفي نفسها بنفسها سواء على مستوى التراشق بالأفكار أو التراشق بالأسلحة الثقيلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.a