هذا العنوان مأخوذ من متن أحد الكتب، وهو كتاب (عقل مثل الماء) لجيم بالارد الذي كنت أقرأ فيه منذ أيام، وحين وصلت إلى الخطوة الثالثة ـ وهي المحافظة على تناغم الجسد ـ التي ذكرها الكاتب مع خطوتين أخريين تساعدان على اكتساب صفة الانسيابية، في سبيل الوصول إلى عقل له صفات الماء، توقفت عند حديث الكاتب عن التقدم في السن.
وقد عبّر عنه بعبارة لطيفة هي (التقدم في العقل والحكمة بدلا من التقدم في السن فقط)، مشيرا إلى أن هذه الفكرة ليست له، إنما هي من ابتكار شخص آخر، هو رابي زالمان شاستر، الذي ربطها ربطا مباشرا بالخبرة، وبالقدرة على معرفة الذات أكثر من أي شخص آخر مهما كان قريبا أو مقربا.
جاء الحديث عن هذه الفكرة في الكتاب في فقرة واحدة لا تتجاوز بضعة سطور، لكنها كانت من العمق بحيث صاحبتني ساعات عدة خلال يومي، وأنا أفكر في موقفنا السلبي الفطري من التقدم في السن، كما فكرت في نظرتنا إلى المتقدمين في السن فعلا، التي تنطوي على قدر كبير من السلبية، وقدر آخر لا أعرف إن كان يماثله أو ينقص عنه أو يزيد عليه ـ قليلاً أو كثيرا ـ من الإيجابية، ولكن ضمن شروط محددة.
يهمني منذ البداية أن أوضح أنه ليس المقصود بالتقدم في السن، في هذه السطور، الوصول إلى مرحلة الشيخوخة المفرطة، التي يفقد فيها الإنسان ـ استجابة لناموس الحياة والطبيعةـ الكثير من قواه الجسدية والروحية والنفسية، وذلك حين يصل إلى ما يسمى بأرذل العمر، ويبدأ الوهن في الدبيب إلى عظامه ومفاصله، وعقله وروحه أيضا.
المقصود بالتقدم في السن هنا فقط الوصول إلى ما قبل مرحلة الشيخوخة المفرطة هذه، حين لا تزال قوى الإنسان الجسدية والنفسية قادرة على العمل والعطاء إن لم يكن بمستواها الطبيعي، فعلى الأقل بمستوى لا يُستهان به، ويجب استثماره، واستثمار ما اختزن لديه خلال سنوات حياته وعطائه السابقة، وهذا ما قد يجعله في حالات كثيرة ثروة بشرية يجب الإفادة منها، بدلا من تحنيطها وتفريغها من أسباب الحياة والعطاء.
لو بدأنا أولا بموقفنا من التقدم في السن، سنجد أنه يرتبط عندنا كثيرا بمشاعر يختلط فيها الخوف والرهبة مع الكذب والإنكار، لأننا لا نتردد ـ حتى أكثر الناس تدينا في بقية أمور الحياةـ في إنكار أعمارنا، أو على الأقل إخفاء عدد من سنينها أو إسقاطها سهوا، لأننا نخشى من تهم كثيرة تلحق بالتهمة الكبرى وهي التقدم في السن، من مثل: الخرف، وضعف الذاكرة أو كثرة النسيان، وعدم التركيز، وضعف اللياقة، وضعف القدرات المختلفة الجسدية والمعنوية.
قد تكون هذه المخاوف مبررة إلى حد ما، لكنها لا يجب أن تطغى على عقولنا حين نفكر في قادم أيامنا لدرجة إهمالها أو إسقاطها من دائرة تفكيرنا، لأن أيام شيخوختنا هي جزء لا يتجزأ من حياتنا، وإذا توقفنا عن التفكير فيها، أو خشينا من ذلك، فإننا نتركها للفراغ، وكأننا نأخذ حصيلة ما اكتسبناه في سنيّ حياتنا كلها ونجعله هباء منثورا في اللاشيء.
هذا ما يحدث في كثير من الأحيان، ومع أشخاص أكفاء، وذوي قدرات متميزة وطاقات إبداعية هائلة، حين يتجاوز الفرد منهم مرحلة الكهولة ويلج المرحلة التالية لها دون أن يكون قد اقتطع جزءا من وقته وتفكيره ليخطط لها، ودون أن يعرف ما الذي سيفعله، أو يمكنه أن يفعله خلال هذه المرحلة التي يكون فيها قادرا جدا على العطاء نتيجة الخبرة التراكمية التي اجتمعت لديه، لكنه بناء لعوامل كثيرة يتوقف عن أداء دوره المألوف بالنسبة له على مدى عدة عقود من الزمان، كأن يضطر للتقاعد عند بلوغه سنًّا قانونية محددة.
يبدو التقدم في السن عندنا مرادفًا للفناء، وكأننا في خوفنا من التقدم في السن نعبر عن خوفنا من الموت الذي يبدو مجرد شكل من أشكاله، أو مصير حتمي من الطبيعي الوصول إليه بمجرد الوصول إلى سن متقدمة، على الرغم من أن الموت لا عمر له كما يُقال دائمًا.
وإني لأعجب كيف اكتسب التقدم في السن على مدى الأيام هذه الصورة السلبية التي يظهر عليها كثيرا، مع أن التقدم في السن ـ لارتباطه بالتقدم في العقل والحكمةـ يجب أن يكون مصدر فخر لصاحبه، وعلامة على نضجه، ولعل هذا ما عبّر عنه الشاعر العربي القديم حين ربط بين الشيب والوقار، مع أنه طرح هذا الرأي في سياق رده على التصور الطبيعي الذي يربط بين الشيب -وهو دلالة التقدم في السن ـ والعار بحسب تعبير البيت:
تعيرني بالشيب وهو وقارُ
ليتها عيّرت بما هو عارُ
إن هذا البيت يتضمن الرأيين معا في سياق مواجهة، فالمحبوبة صاحبة نظرة تقليدية ترى أن التقدم في السن يعني الضعف، والفَقْد، وعدم الأهلية لأي شيء، في حين يرد عليها الشاعر
ـ صاحب النظرة الأكثر نضجا وعقلانية ـ بأن التقدم في السن يعني زيادة الخبرة والنضج، الذي يرتبط ربطا مباشرا بالوقار.
وهذا يقودنا إلى الفكرة الثانية، وهي موقفنا من المتقدمين في السن، ونظرتنا لهم. الذي ألاحظه هو أننا غالبا ما ننظر إلى كبار السن إحدى نظرتين، إما بوصفه الناضج صاحب الخبرة والحكمة، والرأي السديد الثاقب والذهن الحادّ النافذ. أو بوصفه الخَرِف صاحب الكلام غير المتزن، الذي يتكلم كثيرا، ويكرر كلامه كثيرا، لأنه ينسى دائما أنه قال الكلام ذاته مرات عدة من قبل.
ربما تشكل هذان الموقفان من طبيعة المتقدمين في السن أنفسهم؛ فبعضهم يبقى محافظًا على اتزانه النفسي والعقلي، وبعضهم يكتسب هذا الاتزان حين يتجاوز مرحلة الكهولة، ويبدأ خطواته الأولى نحو الشيخوخة، وبعضهم يحدث له العكس، فيفقد اتزانه مبكرا، أو يفقده تدريجيا حتى يصل إلى مرحلة يكون من النادر فيها أن يصدر عنه سلوك سليم أو رأي مفيد.
لا يمكننا مخالفة القانون الالهي؛ فالتقدم في السن له حساباته الخاصة، وفواتيره التي يجب سدادها، لكن في الوقت نفسه يجب أن ندرك أن كل شخص يمثل حالة خاصة، والتقدم في السن عند شخص ما قد يجعله أكثر إنتاجا وإبداعا، وأكثر خبرة وإحساسا بالمسؤولية، ويجب على الشخص نفسه أن ينتبه إلى قدراته في هذه المرحلة، وألا يفرط بأي جزء منها.
كما يجب على الجهات المسؤولة في مثل هذه الحالة أن تستثمر هذه الطاقة والإبداع والخبرة المتراكمة أفضل استثمار، بحيث يكون هذا الشخص في موقع يفجّر رواكد طاقاته، ويحرك كوامنها، ويستفزه لاستخراج كل ما لديه من أعمق قرار في داخله. وليس من المنطق أن يتم إهدار طاقة كهذه فقط لأن صاحبها بلغ الستين أو الخامسة والستين من العمر.
وفي الوقت نفسه، يمثل التقدم في السن عند شخص آخر حالة معاكسة، إذ يكون مؤشر خمول جسدي وفكري ونفسي، يستسلم فيه صاحبه لفعل الزمان، دون أن يستطيع إبداء أي مقاومة. وفي هذه الحالة يكون من المقبول استبعاد هؤلاء الأشخاص عن المواقع التي تحتاج إلى قدرات وطاقات حقيقية مبدعة حتى إن كانت تفتقد الخبرة.
وإجمالا يمكن القول إن التقدم في السن لا يجب أن يرتبط عندنا بالمشاعر السلبية أيّا كانت، بل يجب أن يرتبط بالوجه الإيجابي المشرق للحياة، حتى إن كان يسير في اتجاه يجعل الحياة تبدو خلفه، لكن تلك الحياة القابعة في الخلف هي التي تمنح المتقدم في السن سحره الخاص، وتجعله يبدو وكأنه حياة أخرى تعيش داخل حياتنا، لتساعدنا في فهمها أكثر، بما تتمتع به من قدرة على إضاءة طرقنا التي ستبدو شديدة الإظلام إن غاب عنها نورها.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com
