في الوقت الذي يستعد فيه شيراك لمغادرة الإليزيه بعد أن اقتنع بأن زمن العظماء قد ولى، وبلير يحزم حقائبه لمغادرة 10 داوننغ ستريت تلبية لرغبة شعبه وشعوب العالم كله، وبوش على وشك التخلي عن آخر قطرة أمل في البقاء في البيت الأبيض بعد أن أجمع الشعب الأميركي والعالم كله على أنه أسوأ من حكم في هذا البيت.

وفي الوقت الذي تسعى فيه شعوب العديد من دول العالم للتخلص من رؤسائها الذين قضوا سنوات طويلة في الحكم متمسكين بكراسيهم بأيديهم وأسنانهم، في الوقت الذي هناك شعب آخر في دولة كبيرة هي روسيا متمسك بشكل غير عادي برئيسه فلاديمير بوتين ويطالب على جميع مستوياته الشعبية منها والرسمية بتعديل الدستور ليسمح لبوتين بفترة رئاسة ثالثة، أو على الأقل تعديل يمد فترة الرئاسة لسبع سنوات بدلا من أربعة، المهم أن يبقى بوتين في الحكم بأي شكل من الأشكال، وأصبح هم روسيا الأول والأخير الآن وسؤالها الذي يتردد كل يوم هو « كيف تكون روسيا بدون بوتين ؟ ».

ولأنه شعب غريب ليس كمثل شعوب أخرى كثيرة فرئيسه أيضا أغرب من الرؤساء الآخرين، حيث يرفض بوتين وبشدة إجراء أي تعديل في الدستور يمنحه فرصة الترشح لفترة رئاسة ثالثة، وفي مطلع هذا الأسبوع دعا رئيس البرلمان الروسي الأعضاء للموافقة على تعديل مادة الدستور الخاصة بمدة الرئاسة لتصبح سبعة أعوام بدلا من أربعة باعتبار أن أربعة أعوام فترة قصيرة جدا بالنسبة لدولة مثل روسيا، ولقي الاقتراح قبولاً كبيراً من أغلبية أعضاء البرلمان.

ولكن كانت العقبة الكبيرة هي رفض الرئيس بوتين نفسه لأي تعديل للدستور حيث قال لهم «إنني لا أقبل أن يكون استقرار روسيا مضمونا بوجود شخص واحد، والالتزام بالدستور من أهم ضمانات الاستقرار لروسيا »، وهذه ليست دعاية ولا تمثيلية مثل ما هو الحال في دول أخرى، وليست روسيا التي تقبل مثل هذه التمثيليات، بل إن البعض يرى أن بوتين بالفعل يريد ترك الحكم وهو في هذا المستوى من النجاح حتى يخلده التاريخ الروسي كأحد عظماء حكامه.

لا يمر يوم واحد في روسيا الآن دون مظاهرات أو تجمعات أو نداءات من منظمات مدنية وحركات اجتماعية تطالب ببقاء بوتين في الرئاسة، و حتى زعيم الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف الذي كان المنافس القوي للرئيس يلتسين في الانتخابات، والذي لن يتراجع عن الترشح للرئاسة في العام المقبل هو أيضا صرح يوم الاثنين الماضي بأن خليفة بوتين سيكون هو بوتين نفسه، وزيوجانوف يعلم جيدا مدى تمسك الشعب ببوتين، والزعيم السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف قال للصحفيين منذ أيام «ليس من مصلحة روسيا في هذه الفترة أن يتركها بوتين وعلى الجميع أن يسعوا لإيجاد حل لبقائه فترة رئاسة أخرى حتى لو رفض هو ذلك».

لقد ترك الرئيس السابق بوريس يلتسين لخليفته بوتين تركة مثقلة بالعديد من المشاكل المعقدة والصعبة في جميع المجالات، وترك له دولة كبيرة على وشك الانهيار والتفكك، وحربا شرسة في الشيشان، واقتصاد شبه منهار تماما، وأمن مختل لأقصى درجة حتى أن البعض كان يتوقع اندلاع حرب أهلية في روسيا تفكك أوصالها وتجزئها لدويلات صغيرة، وجاء بوتين الشاب الصغير( بمقياس أعمار حكام روسيا السابقين ).

ولم يكن يعرفه أحد، حيث لم يكن له وجود على الساحة السياسية التي كانت تعج بالعمالقة من قادة الأحزاب بمختلف الاتجاهات اليمينية واليسارية والوسطية والمتطرفة والليبرالية وغيرها، لدرجة أن المترشحين للرئاسة أمام يلتسين عام 1996 كان عددهم يتجاوز العشرين، ولم يستطع يلتسين الفوز إلا بصعوبة بالغة وبنسبة ضئيلة لم تتجاوز 26% من الأصوات.

واستطاع بوتين في سبع سنوات أن يحقق في روسيا ما يشبه المعجزات في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، واستعادت روسيا مع بوتين الأمل في استرداد مكانتها على الساحة الدولية، واستطاع اقتصادها المنهار أن يسترد عافيته وقوته ليصبح أحد أكبر عشرة اقتصاديات في العالم، واستطاعت قوتها العسكرية أن تعود لتحتل مكانتها المنافسة للقوة الأميركية العظمي.

وعادت روسيا لتغزو أسواق العالم الحر في الطاقة والسلاح والتكنولوجيا النووية، وأصبحت تحتل الصدارة بلا منافس في الفضاء، وأصبح الجميع يخطب ودها ويرجو تعاونها، وعلى رأسهم أوروبا الغربية التي أصبحت روسيا المصدر الرئيسي لها في مجال الطاقة، وارتفع مستوى معيشة الشعب الروسي بشكل ملحوظ، وأصبح السائحون الروس الأغنياء مطمح كل دول العالم المهتمة بالسياحة، واستعاد العلماء الروس مكانتهم وعاد الآلاف منهم من الخارج للعمل في روسيا، واستقرت الأوضاع في الشيشان وباقي أقاليم روسيا، وشعر المواطن الروسي بالأمن والاستقرار الذي كاد أن يفقده تماما في سنوات التسعينات.

والآن يخشى الشعب الروسي الردة والتراجع، وهو يعلم أن الذئاب يترصدون له ولوطنه الكبير في الداخل والخارج، ولهذا فهو مصمم على بقاء بوتين في الحكم « حتى لو أجبروه رغم أنفه على ذلك ».

elmoghazy@hotmail.com