دول الخليج من أكثر الدول التي فقدت وتفقد تراثها الثقافي غير المكتوب، هذا بالإضافة إلى ضياع أجزاء مهمة من المكتوب نفسه، والأسباب معروفة ولا حاجة لتعدادها وإنما أهمها أن هذه الدول وفي إطار عمليات الإنماء اضطرت وتضطر إلى ملاحقة الجديد مع فتح النوافذ لرياح ثقافات الآخر والتحول الدراماتيكي في الأسلوب والحياة المعيشية ونمط الثقافة في مفهومها العام والشامل.
هذا الانقلاب الدراماتيكي الذي سببته عوامل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً جعلت من القافلة المسرحة نحو الحداثة والتحديث تعبر على مرتكزات أصيلة وهامة في الآداب الثقافية الشفاهية والتراث غير المادي، حتى مع وجود دعوات رسمية وغير رسمية لضرورة الاهتمام بالتراث الشعبي ومحاولات هنا وهناك.
إلا أن القادم إلى الخليج اليوم لن يشتم إلا القليل من عبق ذلك الإرث هو ما تبقى في المتاحف وفي المهرجانات التي تقام هنا وهناك في مناسبات متباعدة.. وأيضاً النظرة السطحية في تناول هذا الإرث الغني من خلال برامج ومشاريع لا ترى فيه إلا السطح والقشور.
التوصيات التي خرج بها الملتقى الإقليمي الأول للمنطقة العربية حول اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي تحمل الدول العربية كافة مسؤولية إنشاء مراكز ومؤسسات صون وعناية التراث الثقافي العربي غير المكتوب، واعتقد أننا هنا في منطقة الخليج نحن المعنيون كثيرا بهذا الأمر، على اعتبار ان جزءا كبيرا من الدول العربية قد سبقتنا في انجازات هامة في هذا الصعيد.
في العام 1984 أنشئ ما يسمى بمركز التراث الشعبي بدول الخليج العربية وكان مقره الدوحة وبعد سنوات من عمل هذا المركز في إطار جمع وأرشفة التراث المادي وغير المادي تم إغلاقه، واليوم وبعد التوصيات المهمة التي أصدرها المشاركون في الملتقى الإقليمي الأول الذي أقيم في أبوظبي خلال الأيام الماضية واختتم الأول من أمس تصبح جميع الدول العربية بما فيها الخليجية مطالبة بإنشاء مؤسسات صون التراث والعمل على سن قوانين وإجراءات تشريعية لحماية هذه الكنوز من الاندثار والتلاشي.
الأمر الآخر وفيما يخصنا نحن سيكون علينا رعاية مجموعة من الرعيل الأول وصلوا إلى سن الشيخوخة وفي صدورهم كنوز ثقافتنا وتاريخنا، هؤلاء رحل من رحل منهم بما يحمل من كنوز ومنهم ما زال مهملا لا تحتضنهم مؤسسات ولا تتكفل بما يمتلكون..هذا عدا عن إهمال الإعلام المرئي لهذا الجانب إهمالاً قاتلاً وكم نحن أحوج إلى التوثيق بالصوت والصورة.