فن القول من الفنون العربية الأصيلة، لكنه كان فنا محترما ليس محلا لسخرية أحد، ذلك أن العرب القدامى لم يكونوا من هواة التباهي بما ليس فيهم، ومع أن الشعر كان فنهم الأول (وأعذب الشعر أكذبه كما يقال) إلا أنهم ظلوا حريصين على أن يتبعوا أقوالهم أفعالا، فلم يكن أحد ليصدق أبا الطيب المتنبي ولا ليروي شعره على الأرجح لو أنه هرب من وجه فاتك بن جهل الأسدي، وتقول الرواية التاريخية إن المتنبي كتب قصيدة هجاء عنوانها «ما أنصف القوم ضبة» تعرض فيها بالقبح لأخت فاتك.
فخرج الأخير ومعه جنده وباغتوا أبا الطيب وهو عائد من شيراز إلى بغداد وعملوا تقتيلا في قومه، ويروى أن المتنبي حاول الهرب لما أحس بالهزيمة لولا أن أحد غلمانه قال له: سيصفك الناس بالجبن لو هربت وأنت القائل: (الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم) فعاد أبو الطيب إلى المعركة فقتل مع ولده محمد وكثير من جماعته. وأغلب الظن أن شعره كانت ستطمره السنون لو أنه كان جبانا رعديدا.
الأمر نفسه بالنسبة لقيس بن الملوح، فالملحمة التاريخية الفذة لم يكن ليصنعها شعر قيس وحده، ولولا أتبع الرجل أقواله بالأفعال أو بالأحرى سبق الأولى بالثانية لما نال حبه لليلى العامرية ذلك الخلود الذي يتحدى الزمن وهو القائل:
فؤادي بين أضلاعي غريب
يُنادي مَن يُحبُّ فلا يُجيبُ
أحاط به البلاء فكل يوم
تقارعه الصبابة والنحيب
غير أن عرب اليوم رغم ولعهم بالحديث عن أمجاد أجدادهم وتأكيدهم يوما بعد يوم أنهم ورثة حضارتهم وشجاعتهم لم يكلفوا أنفسهم عناء التشبه بالعرب القدامى، ذلك أن تقليد شجعان مغاوير له ثمنه الذي ينبغي أن يدفعه، وقد يدفع المرء روحه ثمنا لكلمة قالها يوما على نحو ما فعل أبو الطيب.
وكم يصاب المتابع بالأسى حينما يراجع أكوام القرارات التي صدرت على مدار 61 عاما عن القمم العربية منذ قمة أنشاص في مايو 1946 وحتى اليوم. وأظن أنها كانت تكفي لتوحيد عشرات الأمم لو أنها وجدت طريقها إلى التنفيذ. يكفي أن نعرف أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950 لم تطبق مرة واحدة طوال العقود الماضية.
رغم ما ألمّ بدول عربية من نكبات وجراح لم يمحها الزمن بعد، بداية بنكبة فلسطين وانتهاء باحتلال العراق والصومال، كما أن معاهدة الوحدة الاقتصادية لعام 1957، ومشروع السوق العربية المشتركة لعام 1964 ليسا بحاجة إلى تعليق، إذ ان واقع الحال يغني عن المقال. لذلك كم كان بديعا ولافتا للانتباه عنوان في تعليق للجزيرة نت عن القمة العربية يقول (البحث عن إبرة إنجاز في كومة كلام).
وليس ادعاء للحكمة القول إن الزعماء العرب لو اكتفوا بقرار واحد من سطرين ونفذوه في كل قمة من قممهم الثلاثين ( 19 مؤتمرا عاديا و11 استثنائيا) لكان لدى العالم العربي رصيد من الإنجازات الوحدوية يتيح له مناطحة الأوروبيين الذين بدأوا باتفاقية الصلب والفحم (1951) التي تطورت إلى اتفاقية روما (1957 ) وانتهت بكيان واحد اسمه الاتحاد الأوروبي له عنوان واحد وعملة واحدة.
طبعا لم يتشدق الأوروبيون بالتاريخ المشترك والآمال القومية الضخمة كما فعلنا، ولم يتغنوا بالدين الغالب واللغة الواحدة، فكل ذلك ليس موجودا في تاريخهم المليء بالصراعات والدماء، وإنما اكتفوا ببديهية لا تحتاج إمعانا في التفكير وهي المصالح المشتركة. لذا لم يدخل الأوروبيون معارك كلامية ولم يدخلوا سباقا لإثبات من هو الأنبل والأكثر حسبا ونسبا، ولم يتنابذوا بألقاب العمالة والخيانة والتطبيع أو الرجعية والشيوعية، واكتفوا بالعمل في صمت وعلى نار هادئة.
العرب فعلوا عكس ذلك إذ ملأوا الدنيا كلاما، وحينما التفتت أجيالهم الجديدة وراءها لم تجد إلا تاريخا موجعا من الشقاق والتناحر، وهو تاريخ لا يشرف أحدا، لذلك لا عجب أن يكون العربي يائسا، أصابه القرف من الحديث عن أمجاد الماضي، ولا يرى أملا في مستقبل ينبئ حاضرنا بأنه لن يكون أقل رداءة من الماضي.
العرب بحاجة إلى حرق كل القرارات السابقة التي اتخذوها في قممهم والبدء من المربع الأول، وربما في العود تسبق العرجاء على حد قول الشاعر.
magdishendi@hotmail.com