تمر تركيا في الوقت الراهن بمنعطف مهم، وذلك قبل أيام من فتح باب الترشيح للانتخابات الرئاسية، ففي الوقت الذي يستطيع حزب العدالة والتنمية أن يحسم الصراع على المنصب لأنه يحتل الغالبية العظمى من مقاعد البرلمان، نجد الاتجاهات السياسية الأخرى وعلى رأسها الاتجاهات القومية المتطرفة التي نظمت تظاهرات في العاصمة التركية احتجاجا على نية رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية ترشيح نفسه.

وإذا كانت التساؤلات الآن تطرح حول ما اذا كان اردوغان سوف يصر على الترشيح أم أن حزب العدالة والتنمية سوف يقدم مرشحا آخر، فان هناك نقاطاً مهمة ينبغي طرحها قبل الإجابة على هذه الأسئلة في مقدمتها ان تولى أحد أعضاء العدالة والتنمية منصب رئيس الجمهورية في تركيا سوف يحدث حالة من عدم الاستقرار السياسي التي يمكن ان تؤدى بالتبعية إلى عدم استقرار اقتصادي بما يعنى في النهاية القضاء على النتائج التي حققتها حكومة حزب العدالة والتنمية منذ أن وصلت إلى السلطة عام 2001.

فمنذ أيام تظاهر القوميون الأتراك ضد ترشيح اردوغان او آخر من حزب العدالة والتنمية لهذا المنصب والمتوقع إن يتظاهر يساريون مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي. وهذه التظاهرات يمكن أن تتخذ جانبا عنيفا على النحو المعروف عن هذين الاتجاهين السياسيين التركيين وهذا العنف يمكن أن يؤثر على دخل تركيا من السياحة وهو احد ابرز مصادر دخلها من العملات الأجنبية وأيضا على قدرتها على جذب استثمارات أجنبية فضلا عن انه يمكن ان يعطي للاتحاد الأوروبي ذريعة لكي يرفض قبول عضوية تركيا فيه.

والنقطة الثانية تتعلق بجدية ما يطرح حول حدوث خلل في التوازن السياسي في تركيا ذلك ان حزب العدالة والتنمية وان كان يسيطر حاليا على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، فان هذا الأمر حققه بالحصول على تأييد ما يقرب من ثلث أعداد الناخبين فقط وبالتالي فان الشعب التركي لم يقدم له تأييدا غير مشروط يسمح له بالتحكم والسيطرة على كافة مؤسسات الدولة.

وانما التأييد كان هشا تعزز فقط بسبب طبيعة النظام الانتخابي في تركيا. وهذا التأييد الهش لابد وان يتطلب حساسية خاصة من الحزب في التعامل مع القضايا الكبرى التي تشبه القضية المثارة حاليا حول من يصبح رئيسا للجمهورية في تركيا مدة السنوات السبع المقبلة.

وهذه النقطة الأخيرة بالذات هي التي تعطي للمعارضين لتولي اردوغان او احد كوادر حزب العدالة والتنمية منطقا سياسيا مقنعا. وهو الذي لابد وان يدفع الأخير إلى التفكير أكثر من مرة قبل المضي قدما في طريق الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية. وهذا الأمر بالذات هو الذي يفسر ما تناقلته وسائل الأعلام منذ فترة قصيرة حول ان حزب العدالة والتنمية يجري استطلاعا داخليا لدى كوادره حول ما إذا كان ترشيح اردوغان أو غيره من داخل الحزب لمنصب رئيس الجمهورية يعد خطوة ايجابية ام سلبية على الحزب.

واضعا في اعتباره أن هناك استحقاقاً انتخابياً برلمانياً من المقرر له أن يجري في نوفمبر المقبل وهناك داخل الحزب من يرى أن الناخب التركي يمكن أن يعاقب العدالة والتنمية على سيطرته على مجمل المناصب الرئيسية في الدولة بأن يسقطه في الانتخابات البرلمانية.

وهو ما يعني في النهاية أن محصلة ما سيحققه الحزب إجماليا هو الخسارة بالنظر إلى أن سيطرة الحزب على أغلبية مقاعد البرلمان تعد أكثر أهمية وفقا للنظام السياسي التركي من منصب رئيس الجمهورية وهم يرون أن اردوغان في حال فضل التوافق على شخصية أخرى من خارج الحزب تتولى هذا المنصب بدعم من الحزب فان هذا الأمر سوف يحدث ردود فعل شعبية ايجابية يحقق الحزب بموجبها نتائج مهمة على المدى البعيد قد تتعدى الفوز في الانتخابات البرلمانية المشار إليها.

وثاني النقاط الجديرة بالإشارة هي أن تركيا في حال انتخابها رئيسا من حزب العدالة والتنمية سواء أكان رجب طيب اردوغان ام آخر غيره سوف تصبح على أعتاب أزمة سياسية، فمن جهة ستصبح كل العملية السياسية في ايدى حزب العدالة والتنمية وهذا الأمر يعنى استبعاد كافة الأطياف السياسية الأخرى من يمين ويسار سواء المعتدل ام المتطرف الفاشي ام الليبرالي.

وهذا الأمر يعني ان خللا ما قد حدث في الساحة السياسة قد تؤدي إلى دفع التيارات السياسية اي البحث عن آليات أخرى وهنا قد تكون هذه الآليات هي العنف او التمرد على العدالة والتنمية عن طريق النزول بجماهيرها ومؤيديها إلى الشارع وهذا الأمر البديهي قد يكون هو الدافع لحزب العدالة والتنمية إلى البحث عن تفاهم يحول دون اقتراب هذا السيناريو السلبي على السياسة التركية.

فما سيحدث وان كان يتم بصورة قانونية وسياسية ودستورية الا انه في الوقت نفسه إخلال بالتوازن السياسي القائم حاليا في تركيا والذي كان احد أسباب الاستقرار الذي تعيشه تركيا منذ عام 2001 والذي أخرجها من أزمة سياسية وعدم استقرار استمر فترة اقتربت من العشر سنوات اي منذ رحيل الرئيس الأسبق تورجوت اوزال وحتى الانتخابات التي حصل فيها حزب العدالة والتنمية على العدد الأكبر من الأصوات.

وفى الوقت الراهن هناك بدائل مطروحة على العدالة والتنمية من اجل الخروج من الوضع الذي يمكن ان يسبب احتقانا في الحالة السياسية التركية في مقدمتها اختيار احد كوادر الحزب الأكثر اعتدالا من اردوغان مثل عبد الله جل وزير الخارجية وبولنت ارينج رئيس البرلمان ووزير الدفاع وجدي جونول ووزراء للدولة من أعضاء الحزب مثل : محمد ايدين وبشير اطالاي ورئيس اللجنة القضائية في البرلمان : كوكسال تويتان.

وبالطبع هناك خيارات أخرى من خارج الحزب في حال تراجع الحزب عن رغبته في أن يتولى أحد كوادره منصب رئيس الجمهورية ومنها ان يساعد الحزب احد التكنوقراط لكي يتولى المنصب وفي هذه الحالة قد يكون رئيس المحكمة العليا الحالي هو الشخص المناسب ولكن هناك مغامرة في حال اللجوء إلى هذا الخيار تتمثل في بعدين .

الأول ان تجربة احمد نجدت سيزر الرئيس الحالي الذي كان رئيسا لنفس المحكمة سابقا يمكن أن تتكرر وهو لم يكن مسيسا قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية لكنه وقف بالمرصاد لكافة محاولات الحزب في إحداث أية تغييرات تشريعية تحقق أهداف كوادر الحزب فيمال يتعلق بالخروج عن العلمانية.

أما البعد الثاني وهو الذي يجب ان يخيف العدالة والتنمية من خيار التكنوقراط فهو ان المحكمة العليا التركية معلمة بالكامل وبالتالي فان من سيتولى منصب رئيس الجمهورية منها سوف يصطدم على الدوام مع الحكومة التي يعتقد رموز الحزب أنهم سيشكلونها في أعقاب الانتخابات البرلمانية المقبلة. وبالطبع هناك تخوفات تستند إلى حقائق متعددة حول إن اي تكنوقراطي سوف يسند إليه منصب رئيس الجمهورية ولأسباب تتعلق بالواقع التركي المعروف سوف يكون أداة في ايدي المؤسسة العسكرية.

وهو ما يعنى انه يمكن ان يتحالف معها من اجل حصار اي حكومة يشكلها العدالة والتنمية خلال فترة رئاسته. وفي هذا الصدد يطرح محللون اسم كمال درويش وزير الاقتصاد الأسبق في حكومة بولنت أجاويد الذي كان نائبا لرئيس البنك الدولي في تسعينات القرن الماضي وهو صاحب تجربة وزارية ناجحة، ولكن هذا الخيار لن يكون مناسبا للعدالة والتنمية لأسباب عديدة منها أن درويش يمكن إن يكون منحازا لصالح احد الأحزاب على حساب العدالة والتنمية وهو الأمر الذي لابد وان يهدد الحزب.

كاتب مصري