تحرص كثير من الأسر المواطنة على إلحاق أبنائها بالمدارس الخاصة رغبة منها في تقديم تعليم نوعي يرتكز في أساسه على اللغة الانجليزية لتطوير مهارات اللغة عند الصغار، وسدا للذريعة مستقبلا أمام عبء التعلم باللغة الانجليزية والذي تتبارى في تطبيقه كلغة معتمدة جامعات الدولة على اختلافها الواحدة تلو الأخرى.
ناهيك عن الاشتراطات التي يواجهها الخريج في ضرورة إتقانه اللغة الانجليزية كشرط أساسي للتوظيف في كافة القطاعات الخاصة، وعليه فإن التهافت أصبح محتدما على المدارس الخاصة لدرجة العزوف الواضح من قبل كثير من المواطنين عن تسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية، ولعل الاهتمام بنوعية التعليم الأجنبي قد قاد الأسر إلى تكثيف المناخ الدراسي من خلال اهتمامهم بتنمية الآفاق المحيطة بالطالب من خلال إعطائه جرعات ثقافية تعليمية تساهم في الارتقاء بالمفردات الأجنبية من خلال قراءاته أو حتى تبادل الحوار العائلي باللغة الأجنبية.
وهذا ما تعتمده بعض الأسر التي مالت بكفة الاهتمام نحو اللغة الانجليزية وتناست الكفة الأخرى التي تعبر بشكل ما عن كينونة هذا الطفل وجوهر حياته وأساسه المتين الذي يبنى عليه مستقبل مجتمعه، لدرجة أن بعض الشباب الذين كبروا في ظل تنشئة تفتقر لهذا الحس قد نفاجأ بأنهم لا يعرفون القليل عن تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، ناهيك عن جهلهم بالمفردات المحلية الصرفة التي باندثارها نفقد هويتنا الشفاهية ليحل محلها خليط من اللهجات الدخيلة، وهذا ما دفع ببعض الباحثين والمهتمين بالتراث إلى قرع ناقوس الخطر والتنبيه إلى ضرورة الالتفات إلى مصير لغتنا المحلية المتفردة في مفرداتها.
وفي هذا الصدد أشرفت بعض الندوات والدراسات التي تناولت موضوع التراث على كثير من الأسباب التي حصرت التراث في «فترينات» المتاحف التراثية والتي تعيش هي الأخرى في غربة نتيجة تجاهل ابن الدار، وتوصل البعض منها إلى نتائج مهمة، وطرح توصيات تقتضي إعادة إدماج المفردة المحلية في حياتنا اليومية من خلال برامجنا التلفزيونية والإذاعية وتخصيص رحلات ميدانية لطلبة المدارس للاندماج مع الرعيل الأول من الآباء وكبار السن وخلق حلقات نقاشية تتناول موضوعات مشتركة تقارب بين الأفكار.
إضافة إلى تحقيق مقاربة في اللغة المنطوقة حتى يتعرف جيل الحاضر على المفردات الأصيلة للهجتنا المحلية وهذا لن يتسنى إلا بتبني ودعم من قبل المؤسسات التعليمية الحكومي منها والخاص لان المشاهدات اليومية من قبل البعض والتي تجعل تراثنا ولهجتنا مجرد «دقة قديمة» تستلزم التوقف عندها ورصدها بعين الرقيب الحاذق المستشرف لمستقبل هذه الظواهر التي ما أن تكبر دائرتها إلا ويأتينا يوم نترحم فيه على هويتنا المحلية التي تصارع للبقاء في ظل هذا الطوفان من الدخلاء الأعاجم.
والمطالع للقضايا التي تناولت موضوع اللغة العربية والتغريب الذي تعيشه إثر شيوع اللهجات المحلية وصولا إلى الإذعان إلى اللغة الأجنبية السائدة قسرا في كافة مجالات الحياة قد يفاجأ بهذا التغير الذي حدث في مسار قضية الحفاظ على اللغة العربية إلى المحافظة على اللهجة المحلية وحتى لا يتصور البعض أن هذا التغير قد يهدد الاهتمام باللغة العربية الفصحى، لغة القرآن والضاد والنبع الأصيل، فان من الضرورة توضيح العواقب المشتركة التي تقع نتيجة سياسة تعليمية تتنكر لهويتها ولغتها وتكتفي بالنزر اليسير منها.
ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه هنا أين المبادرات الوطنية الحكومية التي تتبنى المحافظة على هويتنا من خلال برامج مدروسة تطال كافة شرائح المجتمع وتسهم في الاعتزاز بالبصمة المحلية من خلال تقديم نماذج مشرفة لأبناء الوطن، وإذا كانت حملة «أنا وطني، وطني أنا» قد نالت حظا من الاستحسان إلا أنها تبقى مبادرة قامت بجهود فردية والى الآن ينقصها الكثير حتى تفعّل أهدافها.
أما الأسابيع التراثية التي تقام في مختلف الإمارات فإن الجهود المشكورة التي تقوم بها الجهات المعنية بالأمر ينقصها التواصل الحقيقي الذي يتغلغل عميقا في وجدان الصغير قبل الكبير، لذا لا بد من دعم كبير ودائم يضع نصب العين هذا التهديد الذي يطال هويتنا ويعمل على توظيف الفعل المحلي من سلوك وعادات وتقاليد ولهجة والتحريض عليه والاعتزاز به، وهذا ما يطمح إليه في ظل تقليد أعمى من قبل بعض الشباب لسلوكيات الغرب والانبهار حتى بتجاربهم المنحرفة.
وإذا كان من دور محوري وأساسي في إعادة المكانة لكل ما يتعلق بهويتنا فإن الأسر التي تدعي الثقافة والانفتاح لا بد أن تتوقف لإعادة برمجة نمط أفكارها المتعلقة بتربية أبنائها التربية الوطنية التي اقتصرت على المناهج وتناست أن البيت هو المربي الأول والأخير في ميدان التربية، وان الانتماء للوطن لا بد أن يواكبه انتماء للأرض والفخر بتجربة الوطن المتميزة، والوقوف على التحديات التي تواجهه، وكما قال الشاعر «النخلة ارض عربية» فإن نخيل البلاد سامقة وعددها بالملايين وشموخها يستفاد منه لموازاته، ولعل هذا دأب القيادات الرشيدة التي تحفز على التميز والعمل.
ورغم أن الحديث قد أخذ على البعض اهتمامه باللغة الانجليزية وتفضيلها على لهجتنا المحلية حتى في حواراتنا اليومية، فلا يعني هذا الانتقاص أو التقليل من قدر هذه اللغة، والتي بانفتاحنا على علومها وثقافتها نضمن قوة الحجة وزيادة في الثقة أمام الآخر لكن تبقى القضية المطروحة في دائرة الأهمية تنكر بعض الشباب للحديث بلغته الأم، وكي نتلافى ما حدث لبعض الأمم التي نفاجأ بسحنتهم الآسيوية ورغم ذلك فأفراد العائلة الواحدة لا يتحدثون إلا باللغة الانجليزية مما يثير العجب ويترك انطباعا قد يصفه البعض بالطريف.
يبقى الهدف من النقد لهذه الظاهرة هدفا نبيلا لان كل ما يمس الهوية يعبر بالضرورة عن حب الوطن دون مزايدات، والهم دائما ما يكون مشتركا إذا كانت السلبيات تجتاح سلوكيات الأفراد في هذا المجتمع، لان الخوف كل الخوف من تفشي ظاهرة موازية وهي تقليد النموذج الناجح، وصياغة حاضر غريب يضع كبار السن بثقافتهم المحلية على رف التهميش، ولا ننسى أن البعض قد فتن بالانفتاح الذي صاحب ما يعرف بالعولمة، وبدلا من استثمار هذا الانفتاح لتعريف الآخر بخصوصية مجتمعاتنا وأصالة منبتها، فإن الخشية باتت عليه من الذوبان، فهل تصمد «رمستنا» رغم هبوب رياح الشمال.
كاتبة إماراتية