شيراك يقرر عدم ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثالثة! من ترى يملك اليوم جزءا من هذه الشجاعة والجرأة والعقلانية والحكمة الكافية للتخلي حتى عن منصب رئيس قسم مغمور في دائرة مهجورة؟ فكيف بمدير دائرة! فكيف بمدير عام! أو وكيل وزارة.. أو حتى وزير! أو رئيس وزراء! أو حتى رئيس دولة بحجم النملة! فما بالك برئيس جمهورية بحجم فرنسا!!

(وكما يقال: الإمارة ولو على حجارة!) هذا لا يحصل ولا حتى في أحلام الشعوب التي نشكل طرفا فيها.. فيطلق علينا أحيانا العالم الثالث.. وأحيانا دول دون التطور (sous développé) أو دول في طريقها للتطور.. وفي المجالس الخاصة وبهمس: العالم المتخلف.. فآخر عمالقة الحزب الديغولي قرر التفرغ لنفسه.. لعائلته.. لأصدقائه القدامى.. لبيته الريفي .. لقراءاته.. لكتابة سيرته الذاتية لكي يتعلم منها من يجيء بعده .. ليصبح سائحا عاديا يجوب العالم.. حتى ولو كان الثمن تخليه عن زعامة الجمهورية الفرنسية برمتها!!

متى سنصل إلى قناعة هؤلاء البشر؟ فهم أيضا بشر مثلنا.. يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويشعرون بالخوف والألم والفرح والمسؤولية والطموح والطمع؟في أحد الأيام أعلن أحد حكام العالم الثالث أو العاشر إذا شئنا، وبملء فيه إعلاميا وشعبيا تخليه نهائيا ودون رجعة عن فكرة الترشيح لانتخابات الرئاسة بعدما قضى ما يقارب من 30 عاما متواصلة على كرسي الحكم.. لأنه اكتشف بعد ثلاثة عقود أنه في حاجة لأن يرتاح قليلا من هموم المسؤولية.. .

وإذا بالعالم بأجمعه يصفق ابتهاجا لهذا النبأ الذي لا يستمع إليه عادة بشكل إرادي.. فحكام العالم الثالث لا يتخلون عن العرش إلا بواحدة من هذه الطرق: الوفاة ـ الانقلاب بلونيه الأبيض والأحمر ـ الطرد على يد قوات الاحتلال الأجنبي.. ولكن ذلك الرئيس لم تكتمل معه فرحة العالم، وبعد أيام فقط من ذلك الإعلان راجع نفسه جيدا مرة أخرى وقرر تراجعه عن ذلك القرار غير المدروس بشكل منطقي وسياسي! وفعلا ظل في مكانه.. إلى هذه اللحظة.. ونعتقد بأن قرار بقائه كان أكثر صوابا: فمن ترى مؤهل ليحكم بعده؟

إننا نعتقد بأن السبب الحقيقي في تمسكنا حتى الموت بمناصبنا بدءا من منصب رئاسة قسم إلى منصب رئيس دولة تتلخص في أنه ليس لدينا ما يشغلنا بعد هذا المنصب. فقد أدمنا الجلوس خلف المكاتب واستلام المعاملات والمكالمات وإصدار القرارات الورقية والشفوية والحصول على كل ما نريد باسم السلطة.. وليس لدى معظمنا أي سيرة خاصة نكتبها ولا كتاب مفضل نقرأه ولا هواية نمارسها ونفتقد حتى لأبسط العلاقات الأسرية. نحن لا نعمم، ولكن الوضع السائد هو كذلك. والسبب هو أن الرئيس كالمدير يقوم بكل الأمور: فهو الرئيس ونائب والوزير والوكيل والمدير ورئيس القسم! ويحق له ذلك، حينما لا يثق فيمن سواه.

إلا أن شيراك قام بحساب المسألة بطريقة عكسية.. وأراد أن يخرج من العالم البشري بطريقة مريحة. فعمره اليوم يناهز الـ 75 عاما.. فهو من مواليد 1932.. وعاصر الحرب العالمية الثانية.. ووضع في حساباته بأن عمر الفرد لا يتجاوز الثمانين عاما في أحسن الظروف (حيث توفي فرانسوا ميتران وهو في عمر الثمانين تماما). ولكنه أدرك بأنه بعد الثمانين ستكون حياته قاسية بين المرض والخرف..

ومع أن شيراك مازال يحتفظ بحيوية ونشاط وذكاء وذاكرة وتفاؤل قد تجعلنا نعتقد بأنه ما زال في الثلاثينات من عمره، إلا أنه أراد أن يحيا آخر سنوات عمره الحقيقي خارج أسوار وأحكام وتقاليد البروتوكولات الرسمية. أراد أن يخرج للشارع دون حرس وصفارات ومراقبة.. أراد أن يأكل في أي مطعم يختاره مع زوجته.. أن يجلس في بيته دون أن يتصل به رئيس الوزراء في كل لحظة ليستشيره في أمر من أمور السياسة العاجلة.. وأن ينام وهو مطمئن البال بأنه لن يصحى غدا على خبر مزعج أو اجتماع طارئ..

لكن يبدو أن السبب الرئيسي لتخلي شيراك عن الحكم هي عدة أمور منها:

أنه مقتنع تماما في داخله بأنه أعطى كل ما لديه في ولايتين استمرتا عشر سنوات متواصلة ولم تعد لديه أفكار جديدة. وأن العالم قد تغير كثيرا خلال العشر سنوات هذه التي حكم فيها.. وأنه لم يعد يمثل الجيل الذي يحكمه.. فهذا من جهة جيل العولمة والاقتصاد الحر والمشاريع الضخمة والاندماجات العملاقة والحاسوب الأسرع من البرق وفضائيات الواقع ومن جهة أخرى تعاظم الفوضى في العالم بين محاربة الإرهاب والتطرف الديني والحروب الاستباقية.

. ولا بد من أن تعطى الفرصة لساسة شباب أكثر قربا وفهما لجيلهم وقادرون على التعامل مع قضايا عصرهم. أما شيراك فهو محسوب على جيل الكبار كشارل ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وأخيرا فرانسوا ميتران. وهؤلاء كانوا يمثلون عصر فرنسا الذهبي في كافة النواحي، حتى في اتخاذ القرارات الصعبة، كإعلان استقلال الجزائر وكيبيك في كندا. أما اليوم فإن السياسة هي سياسة القرارات المتسرعة وتحقيق الانتصارات الملفقة الهزيلة حتى ولو كانت على حساب أرواح الأطفال الأبرياء في العراق وفلسطين ولبنان.

كما أن شيراك قد شعر بفشله في تحقيق بعض وعوده السابقة. (بعض) وليس (معظم). وربما كانت الضربة الأولى له رفض الفرنسيين التصويت على دستور الاتحاد الأوروبي الذي دافع عنه حتى آخر رمق.. ومن ثم الشغب الذي ضرب ضواحي باريس.. حتى كادت الأمور تخرج عن السيطرة.. إضافة إلى تعاظم قوة اليمين المتطرف في فرنسا..

وربما كان شيراك يرى في داخله بوجوب فتح الباب لمرشحين جدد وعدم احتكار كرسي الحكم لمدى الحياة، فهؤلاء معظمهم تلامذته في مدرسة السياسة الفرنسية؛ ولا بد من أن يتم منحهم الفرصة لاختبار المحك كما منح هو ذلك من قبل.. مع أن الدستور الفرنسي لا يحدد عدد مرات الترشح للرئاسة. ولكنها فلسفة (لو دامت لغيرك لما وصلت إليك)..

أيا كان الأمر والسبب، فبتاريخ 16 مايو 2007 سوف تنتهي إلى الأبد ولاية جاك رينيه شيراك وسوف يحل مكانه في قصر الأليزيه الشهير واحد من بين 12 مرشحا حصلوا على تزكية 500 محافظ وبرلماني من بين ما يقل عن 30 مديرية ومحافظة فرنسية. وهؤلاء المرشحون يمثلون كافة الأحزاب المسموح لها في فرنسا بين أقصى اليمين والوسط وأقصى اليسار. ولأول مرة في تاريخ فرنسا تدخل مرشحة على قائمة المرشحين لدخول قصر الإليزيه: سيجولين رويال.

ومع أن لقبها (ملكي) إلا أنها تمثل في حقيقة الأمر الحزب الاشتراكي اليساري الذي يفترض أنه يدافع عن الطبقة المتوسطة والكادحة ضد هيمنة الرأسمالية. غير أن المراقبين واستبيانات الشارع تشير إلى فوز نيكولا ساركوزي الذي يمثل حزب اليمين (الوحدة للحركة الشعبية).

وكما أن سيجولين تمثل أول امرأة في انتخابات الرئاسة الفرنسية، فإن ساركوزي يمثل أول مرشح يصل إلى هذه المرحلة بينما هو ينحدر من أصول مهاجرة. فوالده: باول ساركوزي مهاجر مجري بروتستانتي حصل على الجنسية الفرنسية عام 1970 فقط! أما والدته: أندريه ملاح فهي فرنسية من أصول يهودية يونانية!

وهكذا ولأول مرة في تاريخ فرنسا، قد يصل إلى عرش الحكم فيها ويقرر سياستها الداخلية والخارجية امرأة أو رئيس من أصول مهاجرة! والأهم من ذلك كله، أن يحمل الرئيس القادم على كتفيه جمهورية ليس لها رأي واحد، ولا تقبل برأي واحد، ولا تبقى على رأي واحد وتتقلب في مواقفها كطقس فرنسا و تشكيلته البشرية و طبيعتها وشكلها السداسي. ألم يصرخ شارل ديغول قهرا وهو يقدم استقالته من الحكم:

كيف تريدونني أن أحكم شعبا ينتج يوميا 365 نوعا من الجبن!إن الإرث المتراكم لرئيس فرنسا القادم لا يحسده عليه أحد. ومشاكل فرنسا في ازدياد مستمر. حتى المخضرم جاك شيراك بخبرته الواسعة وحنكته الفذة ودبلوماسيته طوية البال لم يسلم من صداع رأسها وأشواكها الكثيرة. فكيف بهؤلاء الصغار في عالم السياسة والحرب والاقتصاد وعلم الاجتماع؟

ولكن كما يقول المثل: لكل زمن دولة ورجال، وهذا زمن نيكولا ساركوزي وجورج بوش وتوني بلير وأولمرت، وبخروج المخضرم جاك شيراك يدخل تاريخ العالم مرحلة جديدة من الرجال، يبدو أنهم يقودون سفينة العالم في جو مضطرب من الأمطار والرياح العاتية والأعاصير المخيفة والتلوث البيئي القاتل إلى جهة غير معلومة.