إن لم تكن كثافة الاتصالات الدولية المكثفة والعربية التي سبقت انعقاد قمة الرياض أضفت على هذه القمة أهمية استثنائية، فإن مكان انعقادها، وجدول أعمالها، وطبيعة الظروف التي تمر بها المنطقة، والتحديات المطروحة، كل ذلك من شأنه أن قدم هذه القمة على نحو مختلف عن القمة التي سبقتها على الأقل منذ بداية هذا القرن.
قبل القمة كانت السعودية قد أخذت تصعد دورها الإقليمي، خصوصاً فيما يتصل بمعالجة والتعاطي المرن، مع العديد من الملفات الساخنة التي تضج بها المنطقة العربية من العراق إلى فلسطين ولبنان، والسودان، والصومال فضلاً عما يتصل بالملف النووي الإيراني والعلاقات العربية العربية. وبالرغم من كثرة وصعوبة هذه الملفات، إلا أن القضية الفلسطينية ظلت تفرض نفسها باعتبارها القضية الأولى مثار الاهتمام أمام القمة، وبما يعيد لها الاعتبار من حيث أنها تشكل جوهر الصراع في المنطقة، وهي قضية لم ترغب الولايات المتحدة في التعامل معها من هذا الموقع، الأمر الذي جعلها تدفع ثمناً أكبر لقاء مغامراتها في المنطقة خصوصاً في العراق وأفغانستان.
القمة العربية كانت هي قمة فلسطين بامتياز، ونتائج القمة كانت كالعادة مقروءة مسبقاً، ومعروفة إلى حد كبير القرارات التي صدرت عن القمة التاسعة عشرة، تلك القرارات التي شملت طيفاً واسعاً من القضايا التي تهم الحالة العربية، والتي تفيض عن معالجة الأزمات المعروفة التي أشرنا إليها.
قبل القمة وارتباطاً بها، قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بجولة عرمرمية إلى المنطقة، نفت أن يكون هدفها الضغط على القمة من أجل تلبية الشرط الإسرائيلي بتعديل المبادرة العربية حتى تصبح مقبولة إسرائيلياً، لكن هذا النفي المتكرر على لسان رايس لا ينفي أن جولتها كانت تستهدف التأثير على القمة عبر بعض الصيغ والآليات التي يترتب على القادة العرب، اتخاذ قرارات بشأنها لتفعيل مبادرتهم التي سبق أن أقرت في قمة بيروت عام 2002.
الحصيلة التي خرجت بها رايس أقل بكثير من التوقعات التي أوحت بها جولتها الواسعة ولقاءاتها الكثيرة مع أطراف عربية عديدة بالإضافة إلى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مما جعلها تعترف بالفشل حين تقول «ان أسلوبها حذر، وهو أسلوب الخطوة خطوة، وبأنها لا ترغب في السعي لحدث كبير«.
رايس اصطدمت بعقبتين أساسيتين، الأولى تتصل بما سماه البعض بالفيتو الإسرائيلي، الذي يرفض أية آلية عدا عن الاستعداد لمواصلة المفاوضات الثنائية مع الرئيس محمود عباس، وبدون شراكة أو تدخل من أي طرف بما في ذلك الولايات المتحدة، فضلاً عن موقف إسرائيل من المبادرة العربية حيث لا تزال ترى عدم إمكانية التعامل من المبادرة طالما تنص على قضيتي اللاجئين والحدود، ولأنها أيضاً ترى بأن تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية تسبق الحل السياسي.
وفوق هذا اعترفت إسرائيل بأنها ترفض فتح مفاوضات جدية حول قضايا الحل النهائي مع الرئيس عباس، الأمر الذي يحيل ما اعتبرته رايس نجاحاً حين أعلنت عن موافقة الطرفين على الالتقاء مرة كل أسبوعين، إلى مجرد لقاءات ذات طابع إنساني وإجرائي في أحسن الأحوال، وهذا على افتراض انتظام اللقاءات وهو أمر مستبعد. أما الأمر الآخر فيتصل بإصرار المجموعة العربية على التمسك بمبادرتهم، رغم أن بعض المسؤولين العرب أظهروا خلال لقاء رايس استعداداً للتعامل بقدر من المرونة.
على أن فشل رايس، وهو ما ميز جولاتها الثلاث، لم يثن الإدارة الأميركية عن التطلع لإحداث حراك ما تحاول إدارة بوش من خلاله التظاهر بجديتها إزاء التعامل مع ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي وذلك لشراء موافقة ودعم المجموعة العربية لسياستها في العراق والتي تتعرض للانهيار،
البدعة الجديدة التي تقدمها الولايات المتحدة لمواصلة الخداع، تتصل هذه المرة بما يسمى بصيغة (4+4+2)، وتتصور عقد اجتماع ربما يتكرر للرباعية الدولية بحضور الرباعية العربية، بالإضافة إلى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وربما توقعت أن تجري اللقاءات لاحقاً بصورة متوازية، لفرض تشجيع الدول العربية، أو العديد منها على تنشيط علاقتها مع إسرائيل، ونحو توسيع العلاقات العربية الإسرائيلية، عسى أن يؤدي ذلك إلى تشجيع إسرائيل على تغيير موقفها إزاء التعامل الجدي مع قضايا الحل الدائم.
هذا يعني أن الكثير من الدول العربية تخضع لضغوطات متزايدة من قبل الولايات المتحدة، التي ستواصل ضغوطها أيضاً على حكومة الوحدة الوطنية، والتي أخذت رايس تحملها مسؤولية تعطيل العملية السياسية، بذريعة أنها لم تستجب لشروط الرباعية الدولية.
المنطق الأميركي الذي يتميز بالخداع ويتظاهر بالاستعداد لتلبية الرغبة العربية ببذل جهد أكبر وجدي إزاء معالجة ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يبطن هدفاً آخر، يتصل برغبتها في تنمية الخلافات والصراع في المنطقة بين حلف المعتدلين ضد حلف المتطرفين، إذ كيف يمكن قبول تشكل رباعية عربية تستثنى منها سوريا باعتبارها إحدى الدول المركزية في المنطقة، وصاحبة دور متشبك مع الكثير من الملفات الهامة في المنطقة؟
على كل حال فإن محاولة فحص جدية ومخلصة للجهود الأميركية والدولية التي ضجت بها المنطقة مؤخراً، والوقوف أمام الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها من وراء هذه الحركة التظاهرية، والتي قد تستمر خلال المرحلة القادمة، إن أي محاولة لفحص كل ما يجري ستصل إلى استنتاج هام، لا يشير إلى إمكانية تحقيق أي تقدم ذي مغزى، بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط.
فبالإضافة إلى أن الملف العراقي هو محور الحركة والاهتمام الأميركي، فإنه لم يبق أمام إدارة بوش الكثير من الوقت قبل الانتخابات الرئاسية التي ستتم في العام القادم، كما أنها لا تمتلك، لا إرادة الضغط على إسرائيل، ولا القدرة على ممارسة الحد الأدنى من هذا الضغط رغم كل ما يقال عن ضعف حكومة أولمرت، فالمسألة تتصل بالإضافة إلى قناعات، بحسابات الانتخابات الأميركية القادمة.
وفيما تواصل الولايات المتحدة هيمنتها على ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، وتمنع أوروبا من تصعيد دورها في التعاطي مع هذا الملف، فإن حكومة أولمرت، قد بلغت حداً من الضعف لا تجعلها قادرة بأي حال على التعاطي الجدي مع أية مشاريع جديه تتصل بقضية السلام، بل هي أقرب ما يكون إلى حكومة تتسلق سلم الحروب لحماية نفسها من الانهيار.
كاتب فلسطيني
