تطوير سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين، وبشكل خاص في قطاع الطاقة، إضافة لزيادة حجم التبادل التجاري، تعتبر من الأهداف الأساسية للتعاون بين موسكو وبكين، التي تلعب دورا ايجابيا في تطوير اقتصاد البلدين، وتدعم المساعي للنهوض بمنطقة شرق آسيا.
وقد وقع الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني هو جينتاو عدة اتفاقات في مجال الطاقة، تضمنت تنفيذ مشروعات لمد أنابيب نقل النفط والغاز وزيادة حجم صادرات الفحم والكهرباء وتعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية، حيث بلغت قيمة هذه الاتفاقات 3,4 مليارات دولار.وتعتقد موسكو أن التعاون في مجال الطاقة يعد من أهم مكونات التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين، حيث تشهد الصادرات الروسية من النفط إلى الصين ازدياداً مستمراً، مما يتطلب إنشاء خط أنابيب لنقل النفط من شرق سيبيريا إلى شواطئ المحيط الهادئ.
ومن المعروف أن بكين وموسكو تعدان مشروعاً مشتركاً يتضمن تشييد خط الأنابيب المزمع لنقل النفط والغاز إلى الصين، وقد أعلن بوتين أن التعاون بين روسيا والصين في مجال الطاقة لا يقتصر على تصدير النفط والغاز، بل يتضمن أيضاً توريد المعدات الروسية لإنتاج الطاقة الذرية إلى المؤسسات الصينية، وقد أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن محطة تيان وان الكهرذرية التي تقوم روسيا ببنائها في الصين ستبدأ العمل في الموعد المقرر. حيث سيتم تسليم وحدة الطاقة الأولى من هذه المحطة الكهرذرية للاستثمار التجاري في بداية الصيف القادم، وحدة الطاقة الثانية للاستثمار التجاري ستكون جاهزة للعمل في نهاية عام 2007. وأكد بوتين أن روسيا ستواصل تصدير الغاز والنفط إلى الصين.
وخلال الفترة الممتدة بين 2001 ـ 2006 تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين من 67,10 مليارات ليصل إلى 1,29 مليار دولار. مما يعنى أن متوسط وتيرة النمو السنوي للتبادل التجاري بين روسيا والصين 30 بالمائة. ويسعى البلدان لتحقيق حجم تبادل تجاري يصل إلى 60 ـ 80 مليار دولار بحلول عام 2010.
ويتميز التعاون الاستثماري الثنائي بين روسيا والصين بآفاق حيوية للبلدين، وهو ما يؤكده تزايد اهتمام الشركات والمؤسسات الصينية في استثمار رؤوس أموال في السوق الروسي. حيث بلغ عدد المشاريع التي تنفذ بمشاركة مؤسسات صينية في روسيا 657مشروعا.
أما حجم الاستثمارات الصينية في روسيا فقد وصل إلى حوالي 320 مليون دولار. كما بلغ الحجم الكلي للاستثمارات المتراكمة للشركات الصينية في روسيا 977 مليون دولار. وتعتبر مجالات الاتصالات، وتجميع الأجهزة الكهربائية المنزلية، وصناعات الأخشاب، والعقارات التجارية، والزراعة، وصناعات الألبسة، والمواد الغذائية، والمطاعم من المجالات ذات الأولوية لجذب الاستثمارات الصينية.
وعكست البيانات الصادرة عن هيئة الإحصاء الروسية زيادة حجم إنتاج النفط خلال يناير 2006 بنسبة 9, 1% لتصل إلى 9, 39 مليون طن، وازدياد صادرات النفط بنسبة 5, 6 بالمائة ووصلت إلى 1, 19 مليون طن، وقد أعلن رئيس شركة «روس نفط« سيرجي بوجدانتشيكوف أن شركة النفط الروسية ستقوم بتوريد 7, 12 مليون طن من النفط ومشتقاته إلى الصين خلال العام الحالي، منها 9 ملايين بموجب عقد مع شركة النفط والغاز الحكومية الصينية.
وقد دفع تطور التعاون الروسي ـ الصيني الحكومة الروسية إلى وضع خطط جديدة لزيادة إنتاج النفط تستهدف هذه الخطط تغطية الاتفاقات التي وقعت مع الصين، والتي ستقوم روسيا بموجبها بإمداد المؤسسات الصينية بالنفط و الوقود، وتدرس بعض الشركات الروسية مشروع تشييد شبكة من محطات الوقود في عدد من الأقاليم الصينية، بهدف الدخول إلى أسواق مشتقات النفط في الصين، والانتقال من تصدير النفط الخام، إلى تصدير مشتقات النفط مثل البنزين العالي الجودة ووقود الديزل والشحوم.
وقد بات واضحا أنه من أولويات المصالح الإستراتيجية لروسيا تركيز اهتمامها نحو الأسواق الآسيوية، وبشكل خاص تجاه الصين، باعتبار أن الأسواق الصينية قادرة على استيعاب جزء كبير من النفط والغاز الروسيين، إضافة إلى المعدات العسكرية الروسية.
إن توجه روسيا إلى الأسواق الأسيوية وتسويق منتجاتها من الغاز والنفط ، يشكل محاولة لمواجهة من تسميه موسكو باحتكار المستهلك، الذي يتشكل من المستهلكين الغربيين، ولتجنب أية محاولات من هذا التكتل الغربي لممارسة ضغوط اقتصادية على الكرملين عبر إيجاد بدائل للنفط والغاز الروسي. وهو في نفس الوقت يمكن موسكو من توطيد نفوذ في مختلف أقاليم القارة الآسيوية، باعتبار أن هذه الأسواق ستعتمد على مصادر الطاقة الروسية.
ويمكن القول إن الأسواق الصينية تعتبر المنفذ الجديد للغاز الروسي في ظل مساعي بعض الأطراف الأوروبية للبحث عن مصادر بديلة له وفي الوقت الذي شعرت موسكو فيه بخطر تقلص وارداتها من الغاز لأوروبا التي تستغل معادلة احتكار المستهلك ضد منتجي الغاز، خاصة أن بكين كانت قد تقدمت بمشروع اتفاقية للحصول على كميات من الغاز الروسي تصل إلى نصف حجم صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا.
ولكن لا يجب أن نغفل الجانب السلبي في علاقات التعاون الروسية ـ الصينية، والمتمثلة في انتشار العمالة الصينية في أقاليم شرق سيبيريا، لدرجة تهدد بفقدان هذه المناطق التي شهدت انخفاض عدد السكان الذي بلغ 50% هذا العام، إضافة إلى تقلص التصنيع، بسبب الأزمات التي تتعرض لها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وهو ما دفع الحكومة إلى وضع خطط تطوير البنية التحتية تستهدف استثمار شرق سيبيريا، لتحقيق التكامل المزدوج بين سيبيريا والشرق الأقصى والحفاظ عليهما كجزء من المجال الروسي الواحد.
من المعروف أن حوالي 90 بالمائة من الغاز الطبيعي الروسي و70 بالمائة من النفط والفحم يتم استخراجهما من الأقاليم السيبيرية الشرقية كما يوجد في مناطق سيبيريا أيضاً نصف احتياطي الأخشاب في روسيا وأكثر من نصف الموارد المائية والطاقة المائية. ويوجد في شرق سيبيريا حوالي 14 بالمائة من موارد النفط الروسية أي حوالي عشرة مليارات طن للاحتياطي المستخرج.
ويوجد في شرق سيبيريا وياقوتيا وساخالين حوالي 20 بالمائة أو أكثر من 40 تريليون متر مكعب للغاز.ومن الممكن وفقا لبرنامج إنشاء نظام موحد في شرق سيبيريا والشرق الأقصى لاستخراج الغاز ونقله والتزويد به أن يزداد حجم استخراج الغاز في المنطقة حتى عام 2015 بأكثر من عشر مرات وحتى عام 2020 بـ 15 مرة مقارنة بمستوى العام الحالي.
هذا الوضع يتطلب إجراءات حازمة من الجانب الروسي لحماية الثروات الطبيعية الروسية، لان انتشار العمالة الصينية، التي أصبح تعدادها يفوق تعداد السكان المحليين في هذه الأقاليم يهدد بفرض النفوذ الصيني على مصادر الطاقة وهذه الثروات التي تحتاجها بكين في تدعيم وتطوير اقتصادها المتنامي.
مركز دراسات الطاقة
روسيا