«وظيفة لكل شخص لديه الاستعداد للعمل». هذا هو تعريف الاقتصاد الجيد. غير أن الولايات المتحدة لا تلتزم بما قد يعتبر من الحقوق الاقتصادية الأساسية المسلم بها. خلال العقود الثلاثة الماضية، قامت الولايات المتحدة ببناء معتقلات للذين لا يستطيعون العثور على عمل بدلاً من إيجاد فرص وظيفية لهم. ويأتي الأميركيون من أصل إفريقي ولاتيني على قمة قائمة المستهدفين بهذا القرار.
الاقتصاد الأميركي الحالي يعد مثالياً فقط في أعين هؤلاء الذين يديرون البنك الاحتياطي الفيدرالي. البطالة أقل من 5% والتضخم يسجل معدلات منخفضة؛ معدلات الدخل ليست جيدة بالشكل نفسه، غير أن الأرباح ومعدلات الإنتاج مرتفعة، غير أن هذا الاقتصاد يتجاهل أعداداً كبيرة من الشعب الأميركي. يقول ديفيد آر جونز، رئيس جمعية خدمات المجتمع في نيويورك إن 40% من إجمالي الأميركيين السود في نيويورك يعانون البطالة.
وبالنسبة لهؤلاء الذين لم يتخرجوا من المدارس العليا يعد الموقف أكثر إحباطا. وأشارت تقارير عن جلسة استماع ترأسها السناتور تشك شومر أن نسبة البطالة بين الأميركيين السود الذين لم يستكملوا تعليمهم في المدارس العليا خلال الأعوام القليلة الماضية تتراوح بين 59% و72% .
وفي الوقت الذي تنتشر فيه البطالة بشكل كبير، بدأ النسيج الاجتماعي في التفكك بشكل أكبر. فقد انخفضت معدلات الزواج في ضوء انخفاض عدد القادرين على الكسب. وارتفعت معدلات الفقر. وافتقد الأطفال القدوة. واليأس بلا شك يدفع إلى إدمان المخدرات. والمخدرات بدورها تؤدي إلى الجريمة.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، تخلت الولايات المتحدة عن أي محاولات من شأنها زيادة الفرص الوظيفية. فقد انخفض الاستثمار الفيدرالي في مجال التدريب الوظيفي بمعدل 75% منذ 1970. وبدأت الفرص الوظيفية تنتقل إلى العمالة المهاجرة، الذين هم في أكثرهم من العمال غير المرخصين الذين يقبلون بأقل الرواتب. وحلت السجون محل الوظائف.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، رفعت الحكومة الفيدرالية والولايات سقف العقوبات ضد الجرائم التي لا تنطوي على عنف، لاسيما جرائم المخدرات. وارتفع بشكل غير مسبوق عدد نزلاء السجون. وبدلا من إنفاق الأموال على التعليم، تنفق الولايات مواردها على حراس السجون وعلى بناء المعتقلات، حيث ترتفع تكاليف بناء السجون ودفع مرتبات حراسها بشكل أسرع من أي تكاليف أخرى في الدولة. فنسبة المسجونين في الولايات المتحدة حاليا تفوق مثيلتها في أي دولة أخرى في العالم.
الأرقام في هذا الشأن مرعبة بحق. فقد تضاعف عدد نزلاء السجون أكثر من عشر مرات في الفترة بين عامي 1973 و2003، حيث وصل إلى 2,2 مليون في 2003 بعد أن كان 204 آلاف في 1973. تسعة في المائة من الأميركيين السود الذين تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 29 عاما كانوا في السجن بنهاية 2003، بحسب تقرير حديث أعده أدولفيس جي بيلك لمركز الدراسات السياسية والاقتصادية تحت عنوان: «الرجال الملونون ومجمع الاعتقالات». و يشير التقرير إلى أن تكلفة عمليات الاعتقال وبناء السجون مرتفعة بشكل يصيب بالجنون. فقد ارتفع حجم الإنفاق الفيدرالي في هذا الصدد من 541 مليونا في 1982 إلى 2,5 مليارات في 2001.
وتشير الإحصائيات إلى أن الجرائم العنيفة ليست لها علاقة بهذا الأمر، حيث إن معدلات الجريمة العنيفة سجلت تراجعا ملحوظا خلال الأعوام الماضية. فقد قرر ساسة القانون والنظام في الولايات المتحدة توجيه تركيزهم على الجناة الذين لا تنطوي جرائمهم على أعمال عنف، حيث قاموا بالحد من فرص الإفراج المبكر وفرضوا عقوبات إجبارية، ورفعوا من معدلات الحملات الموجهة ضد جرائم المخدرات، لاسيما الكوكايين المنتشر في المدن.
السجن بطبيعة الحال ليس هو الحل. إنه ببساطة مجرد مساهمة غير أخلاقية باهظة التكلفة من شأنها رفع معدل الجريمة. فبمجرد أن يُسجن أي شخص فإن فرصه للعثور على وظيفة تتراجع. لقد انخفضت بشكل كبير عمليات النصح والإرشاد والتدريب داخل السجون. وأضحت معظم المهارات التي يتعلمها الشخص داخل السجن هي تلك التي تدفعه إلى عالم الجريمة وليس عالم العمل.
نحن نعلم أين يكمن الحل: الرعاية الصحية المبكرة في سن الطفولة، التغذية والتعليم، التدخل من أجل تدريب النساء الحوامل وإعدادهن لفترة الأمومة، التدريب قبل المدرسي، الارتقاء في مستوى المعلمين وتوفير رعاية صحية وتعليمية بأسعار مناسبة. والأهم من ذلك كله، توفير وظائف مستقرة تمنح الفرص والأمل. كل هذه الأمور تحتاج إلى المال والالتزام والطاقة. ولكن تكلفتها لا تقاس بأي حال من الأحوال بما يتحتم إنفاقه كي يجري إصلاح الشخص بعد أن يتعرض لضرر جسدي ونفسي.
لماذا نختار ما لا يمكننا القيام به؟ هنا تتداخل السياسة مع التمييز العنصري. الساسة ابتداءً من رونالد ريغان إلى بيل كلينتون إلى جورج بوش، تعلموا أنهم يمكنهم تحقيق فوائد عن طريق اتباع منهج صارم ضد الجريمة. والآن، وتماما كما يضيع الرئيس الأميركي الحالي الأموال والأرواح على احتلال فاشل في العراق، فإننا نهدر أيضا الأرواح والمليارات على بناء مجمع سجون في الوقت الذي تتعرض فيها البرامج التعليمية والتدريبية إلى مزيد من التقليص. ألا يوجد قائد واحد يمتلك من الشجاعة ما يُمكنه من تبيان هذه الحقيقة؟
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»