عندما يقارن الناس بين القطاعين الحكومي والخاص فإن الحديث ينصب دائماً على أفضلية الثاني عن الأول، وكيف أن موظفي الشركات الخاصة لديهم مساحة كبيرة للعمل والإنجاز وتقديم أفكار جديدة وبالتالي يحصلون على ترقيات سريعة في مسارهم الوظيفي. وفي كثير من دول العالم يشبَّه الموظف الحكومي بالفلاح الذي لا يعرف غير الأرض التي يعمل بها، حتى المحاصيل التي يجمعها لا يعرف كيف يبيعها وبالتالي فإنه يتخلص منها ببيعها بثمن بخس إلى أحد تجار الجملة المحترفين... والموظف الحقيقي في نظرهم هو ذلك الذي يعمل في شركة عالمية ينطلق من خلالها إلى العالم.

ولكن هذا المفهوم بدأ بالتغير في كثير من دول العالم، وأصبحت الحكومة تنافس القطاع الخاص في العديد من المجالات، فسنغافورة وهونغ كونغ وكندا وفنلندا وغيرها من الدول تعد حكوماتها متقدمة جداً وفعّالة جداً حتى عند مقارنتها بالقطاع الخاص، وفي التقرير الذي أعده معهد «IMD» السويسري عن تنافسية الحكومات صنّفت حكومة دبي في المرتبة 17 بين أقوى ستين حكومة في العالم، ولسنا هنا في صدد الحديث عن تقدم القطاع الحكومي في دبي، إلا التقدم الذي أحرزته حكومات عديدة حول العالم جعل القطاع الحكومي أكثر حيوية وجذباً عن ذي قبل، وأصبح الموظف الحكومي بفضل هذا التقدم يتحدث بلغة القطاع الخاص ويعمل ـ في كثير من الأحيان ـ بمفاهيمه ومصطلحاته.

وحتى يستمر هذا التقدم فإنه لابد من حصول الموظفين الحكوميين على فرص تؤهلهم لكي يساهموا في دفع عجلة هذا النمو تماماً كما في القطاع الخاص، ويجب ألا يقتصر دور الموظف الحكومي على الحضور والانصراف في الوقت المحدد وأداء العمل الموكل إليه «فقط» دون أن تكون له مساهمة فعلية في تطوير المكان الذي يعمل فيه. وكيف لهذا المفهوم أن يتحقق دون إيجاد الدعم المادي وفتح الأبواب على مصراعيها أمام أصحاب الأفكار المتميزة ليكون لهم موطئ قدم في مؤسساتهم.

ففي عام 1998 قامت خزانة الملكة في المملكة المتحدة ـ وهي الجهة المسؤولة عن تطوير وتفعيل السياسات المالية والاقتصادية في البلاد - بإطلاق برنامج أطلقت عليه اسم «استثمر لتوفر في الميزانية» يهدف إلى تطوير القطاع الحكومي ورفع جودة الخدمات الحكومية المقدمة عن طريق استثمار (إبداعات الموظفين الحكوميين) وتوظيف أفكارهم المتميزة في خدمة الدولة.

حيث يقوم مفهوم البرنامج على تمويل مشاريع اقترحها موظفون حكوميون يكون هدفها تحسين خدمة حكومية ما أو تقديم خدمة جديدة وبشرط أن تشترك فيها أكثر من مؤسسة حكومية واحدة، والسبب في ذلك هو بناء روح الفريق الواحد بين المؤسسات الحكومية، وتدريب الموظفين الحكوميين على تغليب مصلحة الوطن على خلافاتهم وآرائهم الشخصية وحتى يتعود الموظفون على مشاركة المخاطر وتخطي العقبات معاً.

وحتى يكون البرنامج عملياً أكثر فإن على المشاريع المقترحة أن تندرج تحت أحد التصنيفات التي وضعتها الخزانة وأولها أن يهدف المشروع إلى تسهيل حياة المتعاملين كتقليل عدد المؤسسات الحكومية التي يجب على المراجعين زيارتها لإنهاء معاملة معينة، وثانيها أن يهدف المشروع إلى جعل عمل الحكومة أكثر فعالية كتقليل الأوراق المستخدمة في معاملة ما وبالتالي توفير وقت الموظف لأداء أعمال أخرى، وثالثها أن يستثمر المشروع تكنولوجيا المعلومات كاستخدام الإنترنت في تقديم خدمات حكومية معينة.

وبعد أن تقدم المشاريع تقوم لجان التقييم المكونة من مديرين حكوميين وصناع سياسات حكومية وخبراء - حسب كل مشروع - بمراجعة المشاريع وإصدار تقارير بشأنها سواء قُبل المشروع أم رُفض، وتنشر هذه التقارير عن طريق الموقع الإلكتروني والنشرات الحكومية حتى يتمكن أكبر عدد من موظفي الحكومة من الاطلاع على جوانب القوة في المشاريع المقبولة فيوظفونها في مشاريعهم المستقبلية ويتجنبوا نقاط الضعف التي أدت ببعض المشاريع إلى الرفض فيتجاوزونها، بالإضافة إلى ذلك تعقد الحكومة سنوياً عشرات الندوات وورش العمل لمناقشة جميع المشاريع المقدمة حتى يستفيد جميع موظفي الحكومة في مختلف المؤسسات والمدن من الدروس المستخلصة والتي تعد إحدى أهم أهداف هذا البرنامج على الإطلاق.

وفي عام 1999 قام مكتب التجارة الحكومية باقتراح مشروع أسماه «العلامة المائية» يهدف إلى تقليل استهلاك المياه في الدوائر الحكومية، وبالتعاون مع إدارة البيئة والنقل وإدارة التعليم والتوظيف تم وضع دراسة أشارت إلى أن بريطانيا قادرة على توفير 2, 1 مليار متر مكعب من مياه الشرب سنوياً إذا تعاونت المؤسسات الحكومية مع بعضها البعض، أي ما يعادل لترا واحدا في اليوم لكل إنسان يعيش في أوروبا.

وبعد أن حصل المشروع على تمويل مالي من الحكومة تم تفويض شركة ADSM للقيام به، حيث بدأ المشروع بإنشاء قاعدة بيانات لقراءة معدلات استهلاك المياه في أكثر من 3200 مؤسسة حكومية ومقارنتها ببعضها البعض للخروج بمؤشرات قياسية لأفضل المؤسسات استهلاكا للمياه، ثم تستخلص التجارب الناجحة التي تقوم بها هذه المؤسسات ويتم تعميمها على باقي المؤسسات المشاركة.

وكانت إحدى أنجح التجارب تلك التي أجريت في كلية Eton التي أسسها عام 1440 الملك هنري السادس، حيث اقتنعت إدارة الكلية بضرورة عمل الطلبة والموظفين جنبا إلى جنب لتقليل استهلاك المياه والحفاظ على البيئة. وبالتعاون مع خبراء ADSM تم وضع نظام للاستفادة من مياه الأمطار وتم تركيب 200 عداد في مختلف مباني الكلية لقياس استهلاك كل قسم على حدة ولإخطار الإدارة في حال حدوث تسرب مائي، كما استخدمت حنفيات تعمل أوتوماتيكياً عند وضع اليد تحتها بدلاً من الحنفيات العادية،

وقام فريق العمل بابتكار أساليب جديدة لغسل الحمامات بكميات قليلة من المياه والاستعاضة عنها بالمطهرات، كما قامت الكلية بإلزام الأساتذة والطلبة بحضور ندوات تثقيفية عن أهمية المياه وضرورة الحفاظ عليها وكانت النتيجة أن وفرت الكلية 20% سنوياً من استهلاك المياه أو ما يعادل 150 ألف جنيه إسترليني. وعند تعميم هذه التجربة في مؤسسات حكومية أخرى كمبنى خزانة الملكة في لندن والمبنى الخامس في مطار هيثرو وغيرها استطاعت الحكومة أن توفر 7, 131 مليون جنيه إسترليني سنويا.

عندما تنظر في عيني موظف حكومي وتراهما تتقدان حماساً وحيوية فاعلم أنه يحمل بين جنبيه حباً كبيراً لوطنه، وأنه مهما كانت أفكاره بسيطة فإن طموحه وعزيمته يصنعان منها مشاريع عملاقة، وأن الإبداع لا يحتاج إلى كلام منمق وربطات عنق رمادية اللون، بل يحتاج إلى عقول واعية وآذان صاغية.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com