اهتم مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الرياض بالقضايا السياسية الأساسية التي تواجهها الأمة العربية وخاصة القضية الفلسطينية والأزمة اللبنانية واحتلال العراق وقضية دارفور في السودان ومشكلة الصومال وبعض القضايا السياسية الأخرى، وبالتالي لم يخرج المؤتمر عن إطار المؤتمرات التقليدية التي عادة ما تناقش القضايا الراهنة، وتتخذ قراراتها بالإجماع ولا تلزم أحداً بتنفيذها كما لا تسأل عضواً من أعضائها لماذا لم ينفذ القرارات السابقة،

ورغم أن المؤتمر يعقد في المملكة العربية السعودية للمرة الأولى في تاريخه، ورغم أن السعودية تلعب حالياً دوراً محورياً إن لم يكن الدور المحوري في القضايا العربية وفي توجهات السياسة العربية فإنها لم تستطع كما لم يستطع المؤتمر تغيير أهدافه وأساليب عمله وأنظمته وعلى رأسها النظام العربي الذي ينبغي أن يجدد من أساسه. وهكذا همش المؤتمر القضايا العربية غير السياسية كالقضايا المعاشية والاقتصادية والتعليمية والثقافية، ولم يعطها الأهمية التي تستحق وكأن المؤتمر مختص في بحث الشؤون السياسية فقط دون غيرها ولا شأن له بالقضايا الأخرى.

ألم يكن من المهم مثلاً أن يناقش المؤتمر بعمق وجدية ومسؤولية قضايا العمل والبطالة في البلدان العربية وطرق مكافحتها، وقضايا الفقر والعوز في معظم هذه البلدان، خاصة وأن المؤتمرين يعرفون أن نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في البلدان العربية تتراوح بين 30% في أفضل الدول العربية (باستثناء دول الخليج) و60% في الدول الفقيرة،

وترتفع هذه النسبة أحياناً إلى 75% بين خريجي الجامعات، إما لأن المجتمع لا يحتاج لتخصصاتهم العلمية التي أصبحت قديمة أو لأن الاستثمارات ضئيلة في بلدانهم وبالتالي فما من آفاق لفرص عمل جديدة. ومسألة الفقر والبطالة هما قنبلة موقوتة في بعض البلدان العربية والأولى بمؤتمر القمة أن يبحثها لأنها إذا انفجرت تطال بشظاياها الجميع.

أو لم يكن من المهم أن يدرس مؤتمر القمة قضية الأمية في الوطن العربي التي تصل نسبتها إلى 80% من البالغين في بعض البلدان العربية، ولا يقل متوسط هذه النسبة في مجموع البلدان العربية عن 40%، وبالتالي فإن مجمل شعوبهم تعاني من الأمية في عصر تفجر الاتصال والتقانية، وبديهي أن يتعذر تحقيق أية نهضة جدية أو تحديث المجتمع أو تطويره إلا بشعب متعلم على الأقل، في عصر أصبح ليس التعليم بل الاختصاص هو الذي يطغى عليه.

أليس من المهم أن يناقش مؤتمر القمة العربية بجدية ومسؤولية قضايا الضمان الاجتماعي والصحي في بلدان يكتسح المرض دفاعاتها ويئن قسم كبير من سكانها تحت وطأته، وتقل أسرّة المستشفيات عن حاجة الناس، ولا يطبق الضمان الصحي في أي منها، ويترك المواطنون لقدرهم فلا هم يملكون ثمن الدواء ولا دولهم تؤمن لهم المشافي والمصحات، ولاشك أن المؤتمر قادر على حل هذه المشكلة التي تصل أحياناً إلى حدود المأساة أو على الأقل أن يوعز بالسير خطوة واحدة في طريق حلها.

ألم يكن من الأولى بمؤتمر القمة العربية أن يعطي لقضية التعليم والتقانة شيئاً من وقته واهتمامه وعنايته؟ ألم يكن له أن يتدارس كيفية تأمين المدارس لجميع الأطفال واليافعين وتطوير التعليم الأساسي والثانوي والجامعي سواء بتعديل المناهج أم بتجهيز الجامعات بالأجهزة والخبرة، كي يستطيع هذا التعليم المساهمة في التنمية وسد حاجتها من المختصين ومن الخبرات البشرية اللازمة؟

ان بلداننا جميعها هي في طريق النمو وتنتظر أن تقدم لها الجامعات الأجنبية الخبرات بينما تدفع جامعاتها الآلاف بل عشرات الآلاف إلى سوق العمل الذي لا يحتاج اختصاصاتهم، أو يتدارس المؤتمر كيفية تطوير الثقافة العربية في عصر ثقافة العولمة وفي ضوء المخاطر التي تشكلها هذه الثقافة على الثقافة العربية والقيم العربية والهوية العربية مما يسهل الاختراق الثقافي،

وأن يتيح المؤتمر لمثقفي الأمة شيئاً من الحرية ليمارسوا بملء المسؤولية نقد الثقافة والتراث وتخليصهما من الشوائب وإعادتهما شفافتين يتصفان بالثراء والتنوع والتعدد والتسامح، لأنه إذا لم يتم نقد التراث والثقافة وصقلهما فسيبقى الضعف هو العنصر المهيمن عليهما، كما يبقى الطريق سهلاً أمام الاختراق الثقافي الخارجي، خاصة وأن بعض الغيورين على الثقافة والتراث يواجهون هذا الاختراق بمزيد من التطرف والتعصب والتهويل ويبتعدون عن الطريق الأفضل وهو طريق النظرة الموضوعية والدراسة المتأنية لهذا التراث وتلك الثقافة وإزالة ما علق بهما من شوائب، وما يتهمان به من نواقص.

ماذا لو تحلى المؤتمرون بمزيد من الشجاعة والجرأة والشعور بالمسؤولية وناقشوا قضية المرأة العربية ودورها في مجتمعها، والظلم الذي تواجهه جراء قوانين الأحوال الشخصية المطبقة حالياً في البلدان العربية والتي تتعامل مع المرأة كنصف مخلوق في مختلف مجالات الحياة، وتمنع عليها ممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية وغيرها، ويتعطل بالتالي نصف المجتمع عن القيام بمهماته، وتبحث عن تفاسير هنا وتأويل هناك لا علاقة لها بالدين لتوظفها لمزيد من الإمعان في قهر المرأة وتحييدها وإبطال دورها.

وأخيراً ماذا لو التزم مؤتمر القمة العربية بإجبار الدول الأعضاء على احترام الحريات العامة وخاصة السياسية منها، وممارسة التعددية وفصل السلطات وتطبيق تكافؤ الفرص وغيرها من معايير الدولة الحديثة، وأن يفرض على أعضائه قبولها انطلاقاً من مبدأ الإصلاح والتطوير والتحديث الذي تحدث عنه القادة جميعاً، وأن يستفيدوا من قدرة المواطنين على تحمل مسؤولياتهم وفتح الطريق أمام مبادراتهم وإبداعهم ليدفعوا تطور شعوبهم وبلدانهم خطوات إلى الأمام.

إن قضايا العمل والبطالة والأمنية والصحة والتعليم والثقافة والمرأة هي قضايا مهمة بل أساسية لم تعطها مؤتمرات القمة العربية منذ المؤتمر الأول عام 1964 حتى الآن الاهتمام الضروري والمطلوب واقتصرت جهودها على القضايا السياسية الساخنة، وقد تكون المؤتمرات محقة في ذلك وخاصة في الظروف العالمية المضطربة وأمام المخاطر السياسية التي تواجهها الأمة والتي شكلت دائماً ظروفاً ضاغطة، ولكن الأمل يبقى قائماً في أن يعقد مؤتمر القمة دورة أو دورات خاصة لبحث هذه القضايا التي تؤسس لمجتمعات عربية جديدة وقادرة على مواكبة التطور الإنساني.

كاتب سوري