عند التساؤل عن أهداف السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يتصور كل إنسان عاقل بأن الولايات المتحدة تود أن يسود الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة، ودونما عوائق وتعزل التطرف الإسلامي. الولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل وفي ضوء التحالف الاستراتيجي بينهما للسيطرة الكاملة على المنطقة العربية واحتلالها واستعمارها من جديد بما في ذلك السيطرة على مقدراتها البشرية والاقتصادية والجغرافية تخططان لمشروع الشرق الأوسط الجديد
وتدفع بقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى المنطقة العربية لاحتلالها بحجة حمل راية الحرية والديمقراطية وتخليص شعوب المنطقة من الإرهاب والتطرف بعد الإخفاق الاستراتيجي الكبير الذي منيت به الإدارة الأميركية في المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية، وتجلى أكثر ما تجلى في ارتداد حربي العراق ولبنان خسارة استراتيجية عليها وعلى حليفتها إسرائيل، وفشلاً ذريعاً لمشروعها الشرق أوسطي، تحاول التعويض عن هذا الإخفاق وتداعياته المهددة لمستقبلها السياسي بمخطط جديد يقوم على إثارة الحروب الأهلية في كل من العراق ولبنان وفلسطين، كخطوة أولى على طريق تعميمها على سائر دول المنطقة.
والأهداف البعيدة لهذا المخطط تتمحور حول الثأر من دول المنطقة وشعوبها على رفضها للمشروع الأميركي الذي أسس للحرب على العراق ولبنان ثم انتهى إلى مأزق كبير، ومحاولة استغلال الفتن الداخلية وسائل جديدة لتحقيق ما عجزت الحروب المباشرة وسياسات القمع الوحشي الإسرائيلي عن تحقيقه من أهداف استراتيجية، فالهدف من زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس المتكررة إلى الشرق الأوسط هو توظيف فكرة إحياء عملية السلام واستثمارها لصالح حملة الإدارة الأميركية الساعية إلى تسويق استراتيجيتها الجديدة في العراق وفي منطقة المشرق العربي، وبالتالي الإيهام ببذل الجهود الرامية إلى إيجاد السبل لتسريع تطبيق خارطة الطريق.
والواقع هو أن فكرة إعادة إحياء عملية السلام هي فكرة قديمة، لكنها تجددت مع تداعيات وإرهاصات العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على لبنان في شهر يوليو من السنة الماضية. وقررت الإدارة الأميركية بأن يكون كل من لبنان وسوريا خارج عملية إعادة إحياء السلام، مقابل تقديم بعض التنازلات في الموضوع الفلسطيني، شريطة أن تقوم التنازلات بوظيفة محددة وتخدم التوجهات العامة للسياسة الأميركية الرامية إلى محاصرة الإرهاب ومنابعه.
رايس تأتي إلى المنطقة في ظل تفاقم أزمة الاحتلال الأميركي في العراق وفشل خطة بغداد الأمنية ومن هنا فهي تحاول بلورة موقف عربي يقدم لها حبل إنقاذ من المستنقع العراقي وهو ما تؤكده اللقاءات المتكررة لها مع وزراء خارجية عرب وحديثها عن دور عربي فاعل في العراق بجانب التصدي لما تسميه التحدي النووي الإيراني ومحاولتها إثارة المخاوف العربية منه بينما القلق في هذا السياق هو صهيوني أميركي يتمثل في منع ظهور أي قوة في المنطقة ترفض المخططات الأميركية الصهيونية وتملك سلاحاً نوعياً.
وتؤكد الزيارات العديدة التي قامت بها رايس للمنطقة أن السياسة الأميركية في التعامل مع القضية الفلسطينية تميل لصالح إسرائيل، ويحكمها منطق الانحياز الكامل والتطابق المزعوم ما بين المصالح الأميركية والإسرائيلية. ولا حاجة للإدارة الأميركية هذه المرّة لخلق ذريعة جديدة، كونها موجودة في عهدة اللجنة الرباعية، وبالتالي ليس وارداً البتة إطلاق مفاوضات، ولا البحث في الوضع النهائي.
وترجمة هذه السياسة على الأرض هي استمرار الحصار والتجويع، وكذلك استمرار ممارسات القتل والتدمير، ومواصلة الاستيطان ومدّ الجدار العنصري، والمس بكل المقدسات الفلسطينية. ولا شك في أن الإدارة الأميركية لا تريد فهم مغزى «اتفاق مكة»، بوصفه فرصة ينبغي القيام بها بغية الخروج من المأزق الراهن، ولن تعترف بحكومة وحدة وطنية فلسطينية إلا حين تستوفي الشروط الأميركية .
benhadnal@yahoo.fr