بين موسكو وواشنطن تكثر نقاط الخلاف وتقل نقاط الاتفاق بشكل ملحوظ، وتتصاعد حدة الخلافات في أزمات كثيرة، وتختفي تحت الرماد نيران غضب بينهما في قضايا أخرى، وخاصة القضايا التي تمس الجوار السوفيتي السابق والذي تسعى واشنطن بشكل سافر مستغلة كافة الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة، وقد يصل الأمر إلى المساس بالداخل الروسي عن طريق استخدام بعض العناصر والجهات الموالية في الداخل، كما نلاحظ تصعيدا آخر على الحدود الروسية بنصب أنظمة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ على أراضي بلدان مثل تشيكيا وبولندا، وتوجه هذه الأنظمة تجاه روسيا فقط .

ومن جانبها لم تكن روسيا أيضا بريئة من وجهة النظر الأميركية، حيث بات سلاح الطاقة الروسي من نفط وغاز يتحرك على الساحة الدولية بشكل يصيب واشنطن بالفزع، وخاصة على الساحتين الأوروبية والأسيوية، هذا السلاح الذي لا تملك واشنطن الوسيلة لمقاومته، فالدول لا غنى لها عن الطاقة والولايات المتحدة لا تستطيع ضمان الطاقة لنفسها لسنوات قليلة قادمة فكيف تضمنها للآخرين،

وروسيا تملك الطاقة وباحتياطات ضخمة تمكنها من تصديرها بكميات كبيرة، أيضا هناك تقدم ملحوظ لروسيا في سوق السلاح العالمي، حتى باتت تحتل في عام 2006 المركز الأول في تصدير السلاح لأكثر من أربعين دولة وتفوقت على الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار ذعرا وجدلا كبيرين في الكونغرس الأميركي،

خاصة وأن بيع السلاح عند كل من موسكو وواشنطن ليس مجرد تجارة بل مصحوب بسياسات واستراتيجيات أخرى، أيضا التقارب الروسي الصيني الذي بات يشكل مصدر قلق كبير لواشنطن، ومنظمة شنغهاي التي تضم مع روسيا والصين خمس دول أخرى في وسط آسيا، وهي المنظمة التي يربط أعضاؤها نشاطات سياسية واقتصادية وعسكرية تنبئ بتحالف آسيوي جديد ومنافس ومرشح لعضويته دول أخرى كبيرة مثل الهند وإيران .

من هذا كله وغيره الكثير يمكن طرح السؤال: هل يمكن أن تنشب بين موسكو وواشنطن حروب باردة جديدة؟. الحقيقة أن الحديث عن العودة إلى الحرب الباردة ليس في مكانه تماما في الظروف التاريخية الجديدة، وبالنظر إلى الاختلاف في الوزن بين الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا الحالية.

لذا يمكن أن يدور الحديث، على الأرجح، حول التعامل على شكل المجابهة، بمعنى تصعيد مؤقت يعقبه حوار و تفاوض، أو خلافات يعقبها توافقات وتفاهم، وربما ما حدث حول قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1747 بخصوص العقوبات على إيران والذي وافقت عليه روسيا يعكس هذا التذبذب بين التصعيد والتهدئة، هذا رغم أهمية الملف الإيراني بالنسبة لموسكو . والحقيقة أيضا أن خطاب الرئيس بوتين الأخير في ميونيخ والذي هاجم فيه بشدة السياسة الأميركية لم يكن دعوة للحرب الباردة، وإنما كان مجرد رسم لصورة للوضع الذي أصبح فيه العالم وروسيا في السنوات الأخيرة.

وهي صورة لا يريد الكثيرون وخاصة في الغرب أن يعترفوا بها لأنهم إما يعيشون حتى الآن في عهد الحرب الباردة وإما يؤمنون بأن العالم الأحادي القطب قد تكون فعلا ولا سبيل لمقاومته أو محاولة تغييره لقد أعاد بوتين إلى الأذهان مرة أخرى أن روسيا تسعى للقيام بدور نشط في السياسة العالمية واقترح الشروع ببناء نظام جماعي للأمن في ظل تعددية الأقطاب الجديدة.

بيد أن تعددية الأقطاب بحد ذاتها لا تؤمن الاستقرار. فكل مرة شهد فيه هذا النظام اختلال التوازن نشبت حرب. وفي الظروف التي أصيبت فيها هيئة الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية بشلل عمليا يواجهنا خطر تفشي فوضى.

وعلى هذه الخلفية يمكن القول أن المجابهة بين روسيا والولايات المتحدة يمكن التعامل معها كمجرد واحد من النزاعات العديدة ولكن ليس محورا رئيسيا لمنظومة العلاقات الدولية كما كان عليه الوضع في عهد الصراع السوفييتي - الأميركي.

ولكن يمكن في نفس الوقت اعتماد نموذج آخر للتعامل بين موسكو وواشنطن بحيث لا يكونا طرفين متعارضين بصدد أي نزاع ينشب على الصعيد الدولي وإنما على العكس من ذلك قد يكون من مصلحتهما المتبادلة التعاون في تسوية أي نزاع . وبالأخص في تلك المناطق ذات الاهتمام المتبادل لكلا البلدين مثل الشرق الأوسط والشرق الأقصى ورابطة الدول المستقلة وأوروبا.

بعد الهزيمة في العراق تحاول الولايات المتحدة الانتقال من العمل من جانب واحد إلى الاتزان على المسرح الدولي. وفي هذه الظروف قد تسعى واشنطن إلى كسب دعم موسكو من أجل البحث عن حل سياسي للقضايا العراقية والإيرانية والكورية. والأهم من ذلك فإن ضرورة كبح جماح الصين التي تدعي بدور قوة عظمى جديدة في العالم وردع الموجة الجديدة من نزعة التطرف الإسلامي قد تدفع الولايات المتحدة إلى تفعيل التعاون مع موسكو التي تنال بدورها فرصة تنشيط سياستها على المسرح الدولي.

ويمكن الاستفادة من هذا الوضع من أجل التوصل إلى اتفاقات وحلول وسط بين البلدين وخاصة بشأن تلك المسائل التي تتطابق مصالحهما فيها. وفي هذه الأثناء قد يكون التعاون في إطار المفاوضات السداسية حول إيران وكوريا الشمالية شكلا للتعامل أكثر فعالية من غيره. فإذا حالف النجاح تسوية المشكلة الإيرانية مثلما كان عليه الحال بالنسبة لكوريا الشمالية فسوف تفقد واشنطن ذريعتها لنشر منظومتها الدفاعية الصاروخية في أوروبا الشرقية.

وعلى أي حال سوف تحظى روسيا بدعم دولي أوسع في الصراع الدبلوماسي حول هذه القضية. ويمكن بل يجب أن تستغل موسكو الصلة بين هاتين القضيتين في مصلحتها الذاتية. ولكي يسود جو من الثقة المتبادلة في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة لا بد من إيجاد حل وسط يتيح تجنب المجابهة بسبب نشر منظومة الدفاع الصاروخية الأميركية في أراضي أوروبا الشرقية.

ومن الملاحظ أنه على الرغم من الدعاوى للتحول فورا إلى «ردع» روسيا تفضل إدارة بوش عدم تصعيد المجابهة مع موسكو. وتدل كل الدلائل على أن البيت الأبيض والخارجية الأميركية لا ينفيان حتى الآن إمكانية التعاون مع روسيا في بعض القضايا سواء على الأساس الثنائي أو المتعدد الأطراف. ومما يشهد بالطاقات الكامنة في التفاعل الروسي - الأميركي استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجريت في الولايات المتحدة. بحيث لا يعتبر روسيا عدوا سوى اثنين بالمائة من الأميركان.

وتحرص موسكو، من جانبها، على إنشاء نظام جماعي للأمن تشترك فيه كل مراكز القوة في ظل العالم المتعدد الأقطاب. وتتطلب مصالح أمنها القومي الحيلولة دون تصعيد سباق الأسلحة النووية والتقليدية المتعدد الأطراف التي لا يمكن تحقيقها أيضا بدون التفاعل مع واشنطن.

ومن الأهمية أيضا إقامة آلية متعددة الأطراف تساهم فيها الهند والصين إلى جانب الولايات المتحدة والناتو وروسيا من أجل تسوية مشكلة أفغانستان. ولا بد من تضافر الجهود بغية عدم السماح بعودة «طالبان» إلى السلطة في البلد. وبإمكان روسيا أن تلعب دورا سياسيا واقتصاديا بل وعسكريا أهم في بعض الأحيان ضمن إطار الجهود الجماعية الرامية إلى تسوية هذه المشكلة.

ومهما كان الأمر فقد آن الأوان كيلا تكتفي موسكو بمجرد الرد على مبادرات الولايات المتحدة والبلدان الأخرى بل تلعب دورا أنشط بكثير. وسيكون هذا ممكنا فقط عندما تبدأ موسكو في تعزيز مهاراتها الدبلوماسية بالوسائل الاقتصادية والمالية. وروسيا لم تعد تعاني من الشح في الموارد المالية. ولا يمكن الدفاع عن المصالح الوطنية بدون إنفاق. وروسيا أصبحت تعي ذلك تماما .

جامعة سيبيريا