في مقابلة أجرتها الإعلامية أمينة تشودري مع صموئيل هنتينغتون الأستاذ في جامعة هارفارد والتي نُشرت في مجلة «إسلاميكا» مؤخراً، وهي مجلة دولية فصلية يقع مكتبها الرئيسي في مدينة لوس انجلوس في ولاية كاليفورنيا الأميركية ولها مكاتب في عدد من الدول العربية والأوربية، تطرق هنتينغتون من خلال إجاباته عن أسئلة تشودري إلى قضايا عديدة، كانت في بعضها تكراراً لطروحات سابقة وردت لأول مرة في الدراسة التي نشرتها مجلة الشؤون الخارجية تحت عنوان صدام الحضارات في عام 1992، ثم أعيد نشرها في كتاب تحت عنوان «صراع الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي» الذي نشر في عام 1996.
ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على نشر الدراسة الأولى التي تعكس طروحات هذا الأكاديمي، ورغم أنها أثارت من المداخلات والأقاويل والتعليقات سواء في صفها أو في الصف المعادي لها، أكثر مما تستحق، فقد ظهر صاحبها في هذه المقابلة أكثر ثقة بطروحاته عن ذي قبل، فقد كرر ما قاله سابقاً من أن الثقافة هي العامل الحاسم في الصراعات السياسية: «ما زلت أعتقد أن الهويات الثقافية والانتماءات الثقافية سوف تلعب الدور الأكبر في العلاقات بين الدول».
ومما يجدر ذكره أن معظم الأسئلة التي أجاب عنها هنتينغتون في هذا اللقاء تدور حول منطقة الشرق الأوسط وحول السياسة الأميركية فيها مما يجعل من الطروحات التي وردت في هذه المقابلة مادة تصلح للدراسة والتمعن خاصة إذا ربطنا بين طروحات هنتينغتون، التي سبقت مجيء الإدارة الأميركية المحافظة برئاسة جورج بوش الابن إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، وبين الملامح الرئيسية للإستراتيجية المعتمدة من قبل هذه الإدارة التي هي في الواقع ليست بعيدة عن طروحات هنتينغتون إلى الدرجة التي يمكن القول فيها إن تنظير هنتينغتون هذا ليس بعيداً عن الأجندة السياسية للإدارة الأميركية.
ومما يجدر ملاحظته في هذه المقابلة هو قول هنتينغتون إنه لا يستبعد عودة العراق ليصبح القوة المهيمنة بين الدول العربية، مما أغرى الصحافية تشودري بوضع هذه المقولة كعنوان للمقالة المنشورة لكونه عنواناً مثيراً للانتباه من الناحية الإعلامية.
وقد ذكر هنتينغتون ذلك في معرض إجابته عن تصوراته لمستقبل دول الشرق الأوسط، فقد استبعد أن يكون لإسرائيل دور قيادي في المنطقة، فهي دولة صغيرة جداً رغم التفوق العسكري الذي تمتلكه بامتلاكها للأسلحة النووية ولأن معظم دول الشرق الأوسط دول إسلامية، واستبعد كذلك أن يكون لكل من إيران وتركيا دور مهيمن، رغم أهمية هاتين الدولتين في استقرار منطقة الشرق الأوسط، وذلك لأن غالبية دول الشرق الأوسط هي دول عربية، واستبعد كذلك أن يكون لدولٍ عربية أخرى تمتلك الثروة النفطية دور قيادي في المستقبل بسبب عدم امتلاكها الثروة البشرية اللازمة.
وبعد هذا الاستعراض السريع لقدرات الدول المرشحة لأن يكون لها دور إقليمي في المنطقة ذكر هنتينغتون «العراق كان مرشحاً كبيراً للعب دور القوة القائدة في المنطقة، فهو بلد كبير لديه موارد نفطية هائلة ونسبة تعليم عالية، لكنه أنحرف بالاتجاه الخاطئ. قد يعود العراق ليصبح القوة المهيمنة بين الدول العربية، هذا يبدو أمراً ممكن الحدوث».
لقد انتقل مركز الثقل السياسي في العالم العربي على مدى العقود الخمسة الماضية بين عدة عواصم عربية وكان أول انتقال له حين خرجت مصر عن الإجماع العربي عند قيام الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة القدس حيث انتقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس،
وأصبحت العاصمة العراقية بغداد المدينة الأكثر بريقاً في العالم العربي في ظل نظام سياسي وصل إلى أوج قوته آنذاك، ففرض هيمنة شمولية مطلقة على جميع معالم الحياة في العراق مستفيداً من الفراغ السياسي الذي خلفته قوى المعارضة التي تسللت إلى الخارج، ومستفيداً من عائدات النفط الغزيرة التي استخدمها لبناء آلة حربية ضخمة جداً.
إلا أن ذلك لم يدم سوى فترة قصيرة جداً دخل بعدها العراق في النفق الذي قاده إلى ما هو عليه الآن، عبر سلسلة من الكبوات التي استنزفت قدراته المالية واستنزفت الكثير من قدراته البشرية. كانت بدايتها الدخول في الحرب مع إيران وآخرها سقوط العاصمة العراقية على أيدي قوات الغزو الأميركية في التاسع من أبريل من عام 2003.
ورغم أن صموئيل هنتينغتون أكاديمي ينبغي أن يتوخى الرصانة والدقة في طروحاته وفي تحليلاته، إلا أنه قد خالف ذلك لأسباب أخرى لعل أهمها تعزيز الأطر النظرية للسياسة الأميركية المعتمدة في الشرق الأوسط، وتبدو طروحاته غير متماسكة للأسباب التالية:
1ـ إن أطروحة الصراع السياسي على أسس ثقافية هي في الحقيقة أطروحة هزيلة بعيدة عن الرصانة العلمية ومخالفة لطروحات كل من كتب في موضوع نشوء الحضارات وانهيارها ولطروحات من درس طبيعة الصراعات الدولية التي أرجعها الجميع إلى أسبابها الجوهرية وهي المصالح الاقتصادية، فالذين درسوا الصراعات عبر التأريخ، كبيرها وصغيرها، قديمها وحديثها، قد ميزوا بين جوهر الصراع وبين أدواته ووقوده، فالثقافة ليست غير أحد الأدوات التي يمكن أن تُسعِر الصراع لا أن تخلقه.
وقد اعتبرت المؤرخة الفرنسية صوفي بتييس أطروحة هنتينغتون هذه بأنها أطروحة رجعية الغرض منها التغطية على الأسباب الحقيقية للصراعات في العالم وهي حسب رأيها «التفاوت الهائل بين غنى الغرب وثرواته وبحبوحة شعوبه، وبين فقر المجتمعات الإسلامية والبؤس الذي تتخبط فيه شرائح واسعة من الشعوب العربية».
وليس من قبيل الصدفة أن ترد طروحات هنتينغتون بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي وليس قبل ذلك، فحاجة الإستراتيجية الأميركية لعدو دائم يبرر الميزانية المتصاعدة للبنتاغون تتطلب ذلك.
2ـ رغم سمة الخجل الذي تبدو بها عبارة هنتينغتون حول احتمال عودة العراق إلى موقع قيادي في العالم العربي، إلا أنها تصب بوضوح لا يقبل اللبس في نفس الاتجاه الذي يخدم الإدارة الأميركية الحاكمة التي تصر على رسم صورة وردية لما سيكون عليه العراق في المستقبل، أو بتعبير أدق تمجيد الدور الأميركي الذي سيصنع من العراق قوة بهذا الشكل.
3ـ بقي لنا أن نرى الحقائق العارية على أرض الواقع بشكل موضوعي بعيداً عن الأجندة السياسية الأميركية أو العراقية، فبعد أيام قليلة يدخل الاحتلال الأميركي للعراق عامه الخامس وسط تخبط أميركي على مختلف المستويات يعكس خللاً خطيراً في السياسة الأميركية قادها إلى الفشل شبه التام باعتراف أصدقائها قبل أعدائها،
إذ لم تترجم السياسة الأميركية في العراق إلى غير أنهارٍ من الدماء نزفتها أجساد العراقيين لأسباب تافهة تضخم حجمها بفعل السياسات الخاطئة التي ارتكبتها الولايات المتحدة والقوى السياسية العراقية المشاركة في العملية السياسية، وتحول الحلم الجميل الذي عشعش لفترة وجيزة في أذهان العراقيين إلى كابوس يؤرقهم ليل نهار.
وهنا لنا أن نتساءل، وباستخدام معايير هنتينغتون نفسه، وهي معايير لا نختلف معه في دورها الأساسي، الذي أعطى للثروة النفطية ولنسبة التعليم الثقل الأساسي للنهوض بالبلد، وهو ما ليس متوافراً لدى أي بلد عربي آخر. تُرى هل يمتلك العراق فعلاً هذه الركائز الأساسية للنهوض من كبوته أولاً ثم الإسهام إيجابياً في مستقبل منطقة الشرق الأوسط ؟،
فمن المعروف أن الصفوة المتعلمة في العراق لم تعد هناك فهي لا تجيد العمل الميليشياوي ولا تجيد حمل السلاح بل هي غير قادرة على الدفاع عن نفسها أمام المد الهائل لقوى الظلام التي صبغت المشهد العراقي بلون الدم. فقد غادر الآلاف من هؤلاء البلد تاركين مكاتبهم ومختبراتهم وتوجهوا صوب الدول المجاورة أو البعيدة بحثا عن الأمان، وقُتل المئات منهم بقصد إضعاف الهياكل المؤسساتية لدفع البلد نحو المزيد من التداعي والانهيار.
أما العامل الثاني المهم وهو الثروة النفطية التي يمتلكها العراق، فهنالك العديد من خبراء النفط العراقيين وغير العراقيين، البعيدين عن الأجندة السياسية الأميركية أو العراقية، لا يرون في مسودة قانون النفط والغاز الذي أقره مجلس الوزراء العراقي في السابع والعشرين من فبراير المنصرم والذي قُدم إلى مجلس النواب لإقراره مسوغاً للتفاؤل بمستقبل الثروة النفطية التي سترسو في أياد غير عراقية. وختاماً نود أن نذكر السيد هنتينغتون بأن عالمية انتمائه كأكاديمي تتطلب موقفا يتسم بالأمانة للحقيقة فقط، موقفاً مستقلاً عن مواقف المؤسسات التي لها مصالح سياسية.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae