أجري في مصر الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وجاءت نتيجته بالقبول كما هو متوقع، هذا القبول الذي تفسره المعارضة المصرية بتفسيرات متعددة منها، حشد الحكومة والحزب الوطني الحاكم للناس ليصوتوا لقبول التعديلات، ومنها جهل عامة الشعب بطبيعة وفحوى هذه التعديلات، ومنها الإقبال الضعيف على الاستفتاء من قبل المعارضة التي نفذت مقاطعة الاستفتاء، ومنها أنه في النهاية استفتاء معروف نتائجه مقدما وإلا ما كانت الحكومة لتقدم عليه.
كل هذه الأسباب وغيرها من التي طرحتها المعارضة المصرية، أو بالأصح النخبة السياسية المتصدرة للمعارضة والمتحدثة باسمها، كلها أسباب إن دلت على شيء فإنما تدل على ضعف هذه المعارضة ومحدودية فاعليتها على الساحة السياسية في مصر رغم كل الضجيج الذي تحدثه على شاشات بعض الفضائيات التي تولي اهتماما كبيرا لإبراز السلبيات في النظام الحاكم ولا تناقش
ولا ترى أية سلبيات في المعارضة المصرية النائمة أكثر من ربع قرن والتي جاءتها «نوبة صحيان» مفاجئة في العامين الماضيين على أثر النداء الذي وجهته واشنطن تحت دعوى الإصلاح والديمقراطية، هذا النداء الذي أوقع النخبة المستأسدة على المعارضة المصرية في ورطة
لا تعرف حتى الآن كيفية الخروج منها بعد أن تراجعت واشنطن وتخلت عن ندائها وعادت تخاطب ود الأنظمة الحاكمة التي ناصبتها العداء منذ عامين وحرضت التيارات السياسية والمنظمات والجمعيات المدنية ضدها بهدف إخضاعها لمطالبها وشروطها في العراق وفلسطين وغيرها من بؤر النزاع.
لقد صدمت المعارضة المصرية تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أثناء زيارتها الأخيرة لمصر، والتي واكبت ساعات التصويت في الاستفتاء على التعديلات، فقد وقفت رايس بجوار وزير الخارجية المصري لتشيد بالدور المصري ومكانة مصر الريادية على الساحة الإقليمية،
بينما وقف بجوارها نظيرها الوزير المصري يجيب عن أسئلة الصحافيين بقوة وصرامة مؤكداً حق النظام المصري في إجراء التعديلات الدستورية بهدف حماية أمن الوطن والمواطن المصري ضد الإرهاب والتطرف، وكان باديا أن لواشنطن مصالح أخرى وأهدافا أخرى أهم بكثير من نداءات بعض المعارضة المستقوية والمستنجدة بها من أجل دعم الإصلاح والديمقراطية التي وعدت بها منذ عامين أو أكثر.
لقد أعمت الوعود الأميركية الكاذبة أعين بعض النخبة من المعارضة المصرية النائمة ربع قرن من الزمان، كما أعمتها أضواء وعدسات الفضائيات فخرجت من كهوفها لتتصدى للنظام بقضايا لا تهم من قريب أو بعيد الملايين من الشعب، هذه الملايين التي قطعت المعارضة المصرية حبال التواصل معها لسنوات طويلة واكتفت فقط بشاشات الفضائيات معتقدة أنها أفضل وسيلة لتحريك الشعب،
ولكن هذه الشاشات للأسف هي أيضا تجهل أو تتجاهل قضايا الشعب المصري الذي يعاني من مشاكل كثيرة ليست ضمنها على الإطلاق قضايا الإصلاح والديمقراطية والتعديلات الدستورية، حتى لو ظنت المعارضة أن الإصلاح والديمقراطية هما الوسيلة لحل باقي المشاكل فإن قدرتها معدومة تماما على إقناع الشعب بهذا،
خاصة أنها تفتقد تماما للتواجد في الشارع المصري الممتد أبعد وأكبر مئات بل آلاف المرات من وسط العاصمة المصرية وسلالم نقابتي الصحافيين والمحامين التي احتوت النخبة السياسية المعارضة في مصر بكافة أطيافها وقياداتها، أما الإخوان المسلمون أصحاب الأغلبية المعارضة في البرلمان فقد تعاملوا مع قضية الاستفتاء بذكاء بحكم خبرتهم في التعامل مع القواعد الشعبية.
المعارضة وجهت نداء للشعب بمقاطعة الاستفتاء ولم تكلف نفسها عناء شرح أسباب ومبررات المقاطعة، ولم نسمع منها أي شرح للتعديلات الدستورية وأسباب رفضها رغم أنها تحدثت كثيرا على شاشات الفضائيات عن النظام والحزب الحاكم وغياب الديمقراطية وغيرها من المسائل التي لا تهم في كثير جماهير الشعب المصري الغارقة لشعر رأسها في مشاكلها اليومية من الصباح حتى المساء،
ولا تستطيع النخبة المعارضة أن تزعم أن الإقبال الضعيف على الاستفتاء جاء تلبية من الشعب لندائها، لأن الجميع يعلم مدى ضعف إقبال المواطن المصري بشكل عام على التصويت في الانتخابات فما بالك باستفتاء شعبي لا يقدم ولا يؤخر ولا يغير شيئاً.
الغريب في الأمر أن النخبة السياسية المعارضة كانت في القاهرة في السبعينات وبدون فضائيات ولا حتى موبايلات تستطيع تحريك جامعات مصر كلها وعمال المصانع وجماهير الشعب في وقت واحد، والآن ومع الفضائيات وثورة تقنيات الاتصالات لا تستطيع أن تحرك ولا مدرسة صغيرة في أحد أحياء القاهرة،
والمضحك المخجل في نفس الوقت أنها تتهم الحزب الوطني الحاكم بأنه حشد جماهيره للاستفتاء، وكأنها تهمة تعيب هذا الحزب، فأين جماهيرها هي وأين قواعدها الشعبية؟، أم أنها ما زال لديها أمل في الوعود الأميركية بالإصلاح والديمقراطية؟.
elmoghazy@hotmail.com