تغلب العجلة على جميع مظاهر حياتنا اليومية. نستيقظ في الصباح الباكر على عجل، لأننا دائما نعتقد أننا استيقظنا متأخرين عن الوقت الذي يجب أن نفعل فيه ذلك، وهذا يؤثر على نفسيتنا التي تسوء تلقائيا، لأن الوقت لن يكفينا لإنجاز كل ما لدينا من أعمال تزيد ولا تنقص؛ فنبدأ يومنا بضيق.

نأكل وجبة الإفطار ـ لا يزال بعض المحظوظين يأكلون وجبة الإفطار، حتى إن كانت على عجل- ونحن ننظر إلى الساعة مئة مرة خلال أقل من ربع ساعة أو عشر دقائق، هي مدة إفطار استغرق تحضيره ـ من قِبَل الخادمة أو الطباخة ـ ساعة أو أكثر. لا نتذوق الطعام، ولا نستمتع بمذاق القهوة الصباحية، المهم هو أن ننتهي بسرعة من هذا الواجب، وأن ننتقل مباشرة إلى الواجب الذي يليه.

نقود السيارة أيضا بشكل فيه قدر كبير من التعجل ونفاد الصبر. الجميع يقود السيارة بشكل يوحي بوجود حالة طارئة في كل سيارة: ولادة، أو حادث منزلي، أو ما شابه ذلك، من شدة استعجال أصحابها في قيادتها، على نحو يجعلنا نشعر بأننا في ماراثون مستمر، أو أننا نحن وسياراتنا في حالة نفير دائم.

وحين نصل أيضا لمكان العمل نحافظ على المستوى نفسه من العجلة، وربما يزداد قليلا، باقترابنا من مكان العمل، ومزاحمة الوقت لنا. لقد أصبحت العجلة سمة مميزة لنا في كل شيء، وأثرت على كل شيء، أنا لا أذكر أنني هاتفتُ أمي ذات صباح مثلا لأقول لها صباح الخير،

أو لأسلم عليها وأسأل عن أحوالها، لأنني دائما أشعر أن لا وقت لدي لفعل ذلك خصوصا في فترة الصباح. ودائما أؤجل هذا الأمر لوقت الظهر أو ما بعد الظهر الذي أعدّه وقتا ميتا، لا يعمل الذهن فيه بدرجة النشاط نفسها التي يعمل بها في الصباح الباكر، أو في الفترة المسائية.

أحيانا أؤجل ذلك إلى آخر المساء، وأحيانا يستمر التأجيل أياما، لأن الوقت لم يسعفني للاتصال بأمي، فأكتفي بإرسال رسالة نصية. وحين لا يسعفني الوقت أيضا تكون هي قد اتصلت، أو بعثت رسالة نصية تطمئن بها علي، ولا يكون علي سوى الرد على اتصالها أو رسالتها.. وهذا أيضا أمر قابل للتأجيل والتسويف كثيرا، ويظل احتمال عدم حدوثه قائما، على الرغم من العلاقة القوية والمتميزة التي تربطني بأمي، لكني واحدة من هذه الجماعة الرازحة تحت سيف الوقت!

انعكس الإحساس بالعجلة على كل تفاصيل حياتنا، في العمل، وفي البيت، وفي نزهاتنا، وفي خروجنا من المنزل لشراء حاجيات البيت، وفي علاقاتنا الاجتماعية والأسرية، وفي كل ما يمكن أن يخطر على الذهن من تفاصيل الحياة.

أحيانا يبدو التفكير في الإيقاع السريع الذي تسير به الحياة في هذا الوقت مريعا، لأنه يكشف لنا أننا نوشك أن نعيش على هامش الحياة، تاركين الحياة نفسها للكائنات الأخرى التي لا تستطيع أن تستمتع بها مثلما يمكن أن نستمتع بها نحن البشر.

يولّد الوقوع تحت وطأة الإحساس بالعجلة إحساسا مصاحبا بالذنب؛ فنحن دائما نلوم أنفسنا لأننا لم نستثمر الوقت بطريقة مناسبة، ولو كنا فعلنا ذلك لتمكنا من إنجاز العمل المطلوب إنجازه في موعده المناسب، أو قبل ذلك الموعد ربما.

ونحن دائما أيضا نلوم أنفسنا لأننا قصرنا في أداء عملنا، أو في صلة رحمنا، ونشعر بالذنب لأننا نكاد نعيش منعزلين عن سياقنا الاجتماعي الذي يوشك أن يعيش كل جزء منه منعزلاً أيضا عن الآخر. كما يولّد الوقوع تحت وطأة العجلة والوقت مشاكل ذهنية ونفسية وصحية كثيرة، مثل فقدان التركيز، وعدم الانتباه، وفقدان الثقة بالذات،

وعدم القدرة على الإبداع، أو على التحكم في النفس، بالإضافة إلى تزايد احتمالات ارتفاع ضغط الدم، والتعرض لأمراض القلب، نتيجة التعرض المستمر والمتواصل لضغط الوقت. يتحول الوقت إلى عدو، بدلا من أن يكون صديقا ورفيقا ودودا.

يستطيع هذا العدو أن يأخذ الشخص الذي يقع في قبضته بعيدا عن محيطه الأسري والاجتماعي، فيفقد أهم السمات الأساسية التي يتميز بها بوصفه كائنا اجتماعيا بالدرجة الأولى، ومنتجا بالدرجة الثانية. لكن المشكلة هي أن شريحة كبيرة من المجتمع، إن لم نقل معظم أفراد مجتمعاتنا أصبح فريسة في يد الوقت الذي يوشك أن يصبح عدوا.

الجميع يلهث في سباق مع الزمن ومع شيء آخر لا يعرفونه ولا يستطيعون توصيفه. كلنا نجري خلف شيء ما، ربما لا نعرف ما هو، لكن من المؤكد أننا نجري نحوه، وقد نعرفه في يوم من الأيام، وستكون المشكلة الحقيقية هي موقفنا من ذلك الشيء حين نكتشفه: إن كان يستحق فعلا كل هذا الجهد الذي نبذله جميعا، وكل هذه التضحيات غالية الثمن التي يدفعها كل منا بطريقته الخاصة، أو لا يستحق؟!

ربما نحن في حاجة لإعادة النظر في حياتنا، وإعادة رسم خطوطها العامة، حتى نستعيد فرحتنا القديمة بكل التفاصيل البسيطة التي كانت تبهجنا، وكانت تحقق لنا قدرا كبيرا من السعادة على الرغم من أنها إن وُزِنت بميزان حياتنا العصرية الحديثة لن تساوي شيئا،

إلا أنها كانت تقدم لنا الكثير في ذلك الوقت، ولا بد أن تقدم لنا الآن ذلك الكثير وربما أكثر منه، في هذا الوقت الذي فقدنا فيه إحساسنا بجمال ولذة الكثير من الأمور، حتى إن غلا ثمنها! قد نكون في حاجة إلى العودة إلى الداخل.. لكل ما يتجه نحو الداخل؛ فنبحث في أعماق نفوسنا، وفي بيوتنا، وفي تراثنا وماضينا،

وفي كل ما من شأنه أن يوقف - قليلا ـ اندفاعنا الأعمى إلى الأمام، حتى نعيد ترتيب خزائن حياتنا، وتستعيد أيامنا ملامحها الجميلة، وبعد ذلك يمكننا أن نعود لنكمل مسيرتنا وسباقنا مع الوقت، بهدوء أكثر، وعقلانية أكثر أيضا.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com