تعقد القمة العربية في الرياض وسط تحديات عربية كبرى، ويبدو من سياق الاستعداد لها ان الدول العربية وأيضا الشعوب خفضوا إلى حد كبير من سقف التوقعات المنتظرة منها على النحو الذي يوحي بأن الهدف من عقدها هو فقط التأكيد على دورية الانعقاد وليس أكثر من ذلك. ونستطيع القول ان هناك قضايا عربية كبرى تستدعى انعقاد القمة في مقدمتها التهديد الدولي للسودان على خلفية أزمة دار فور، والأزمة اللبنانية وإمكانيات تجدد الصراع الفلسطيني الفلسطيني.
وتعثر عملية السلام وسط التهديدات الإسرائيلية للمناطق العربية في القدس المحتلة وممارساتها اللاإنسانية ومخاطر البرنامج النووي الإيراني على الدول العربية الخليجية وفوق كل ذلك الأزمة العراقية سواء فيما يتعلق بالفوضى وعدم الاستقرار السائدان هناك أو مخاطر تقسيمها إلى دويلات صغيرة أو إنها أصبحت في الوقت الراهن بؤرة للعنف الأصولي الديني.
وهذا الوضع العربي المتأزم هو الذي يفسر أسباب عدم اهتمام الشعب العربي بقمة الرياض على النحو المختلف عن القمم الأخرى السابقة لكن هناك سبب آخر للتفاؤل يمكن أن يدفع آخرين إلى التفاؤل من هذه القمة في مقدمتها أنها تعقد في السعودية التي نشطت دبلوماسيتها فيما يتعلق بأزمات عربية متعددة لعل في مقدمتها الصراع المسلح بين الفصائل الفلسطينية.
حيث نجحت الدبلوماسية السعودية في جمع الفئات المتصارعة في مكة والتوصل إلى اتفاق نجم عنه تشكيل الحكومة الفلسطينية بعد توقف القتال بين كل من حركتي فتح وحماس، ونشطت الدبلوماسية السعودية أيضا في ألازمة اللبنانية ولعل أوضح دليل على نشاط هذه الدبلوماسية هو الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني احمدي نجاد إلى الرياض.
فيما يعد دليلا على أن المملكة تسعى إلى تهدئة المخاوف من مما يعتبره البعض خطرا إيرانيا محدقا على الدول العربية، وهذا التصور كانت الولايات المتحدة الأميركية تزكيه لدى دول عربية وتقف وراءها إسرائيل بالطبع من اجل إيجاد إجماع عربي على التصدي لإيران عسكريا، وكانت هناك تصورات لدى قوى عربية بان السعودية تنفذ المخططات الأميركية في المنطقة ولكن جاءت الخطوات والتحركات المتتابعة قامت بها السعودية لتنفى هذا التصور تماما بل وصدرت تحليلات أميركية قالت إن السعودية سببت إرباكا للخطط الأميركية في المنطقة.
وهذا النجاح السعودي يعزوه البعض إلى عوامل متعددة منها ان السعودية تشعر بالخطر من المخططات الأميركية في المنطقة، ومنها أنها تلجا إلى دبلوماسية الدولار بمعنى أنها تمول الاتفاقات التي يتوصل إليها الإطراف تحت رعايتها، أو انه تحل لهم مشكلات تمويلية مقابل ان يقدموا تنازلات في المفاوضات التي ترعاها، ولكن كل هذا الأمر لا يخفى ان هناك إحباطا لدى العرب شعوبا وحكومات من الوضع العربي الراهن من جراء التحديات التي تواجه القمة العربية والتي يمكن ان تدفع البعض إلى التشاؤم من نتائجها خاصة وان مخاوف هؤلاء تقف على أساس موضوعي ومنطقي تجعلنا نتعرض لهذه التحديات بالتفصيل.
وفى مقدمة هذه التحديات هو انه على الرغم من ان الدول العربية تشكل معا نظاما إقليمياً تعتبر الجامعة العربية هي المؤسسة التنفيذية له ومن بين آلياتها الرئيسية ما يسمى بالقمة العربية، وكانت القمم العربية في السابق تحقق نتائج مهمة على النحو الذي عرفناه في قمم سابقة مثل قمة الخرطوم وأكثر من قمة بالقاهرة وقمم أخرى في تونس.
ولكن المتابع للوضع العربي الحالي يستطيع أن يرى من دون عناء إنه إذا كانت الأمة العربية تواجه أزمات كبرى على أكثر من صعيد إلا أن معظم هذه الأزمات للأسف توجد حلولها خارج الدول العربية. وهذا يعنى ان العرب أصبحوا للأسف لا يملكون القدرة على التحكم في أزماتهم. فالأزمة العراقية مثلا حلها تتشارك فيه أكثر من دول غير عربية منها إيران و الولايات المتحدة الأميركية.
أما فيما يتعلق بلبنان فهناك من يرى ان هناك دول أيضا غير عربية تتفاعل مع أزمتها وتساهم في تضاعيفها تهدئة وتسخينا وبالطبع لسنا بحاجة إلى القول إن كل ما يتعلق بفلسطين تلعب فيه إسرائيل دورا تخريبيا. وهذا الأمر أي تداخل الدول غير العربية مع الأزمات العربية وتحكمها فيها هو احد ابرز التحديات التي تواجه القمة العربية والتي يرى البعض انه لابد من التفاعل مع هذا التحدي والاشتباك معه من اجل إعادة إحياء النظام الإقليمي العربي بصورة كاملة وليس فقط القضاء على أكثر تحد يواجه القمة العربية في الرياض.
وهناك تصوران للتعاطي مع هذة المعضلة الكبرى الأول هو ان يتم ابداع أنظمة إقليمية أخرى تضم دولا غير عربية مثل إيران وتركيا وفى المستقبل إسرائيل من اجل إنهاء الأزمات العربية وفى هذا الأمر قضاء نهائي على النظام الإقليمي العربي ولا تقبله الدول العربية. اما الثاني فهو البحث عن أسلوب مبدع لكي يتفاعل العرب بموجبه مع النظام الدولي وهناك تصورات متعددة تحافظ على النظام الإقليمي العربي.
وفى نفس الوقت تتعاطى وتتفاعل وتتكيف مع النظام الدولي الجديد نعتقد أن المهمة الأولى أمام القمة العربية هي اعتماد واحد منهم وهو الأمر الذي يمكن ان يجفف منابع الأزمات العربية ويستطيع العرب أن ينهوها انطلاقا من الأسلوب الذي يتم التوصل إليه و بما يحول دون إعادة إنتاج الأزمات العربية مرة أخرى.
كاتب مصري