يبدو أن مساحات الحوار بين الإسلاميين والليبراليين مازالت تقع في المناطق الرمادية، ومازال كل طرف ينظر إلى الآخر بعين التوجس والترقب. ويبدو أن هذه الحالة أشد ما تكون وضوحاً في الدول الخليجية.
وخاصة تلك الدول التي يسيطر على أغلبية برلماناتها أعضاء محسوبين على التيار الإسلامي، ويسعى فيها الليبراليون لإيجاد موضع قدم في معركة يبدو في ظاهرها التنافس ولكن تحمل في داخلها من العداء والإقصاء الشيء الكثير. وهذا ما تعكسه مجالس كل من البحرين والكويت والسعودية حيث تبدو الصورة في تلك الدول أشد وضوحا وتأثيراً.
وعلى الرغم من ان الليبراليين تتفاوت وجهات نظرهم، إلا انهم دائماً متفقون في وجهة نظرهم تجاه الممارسة السياسية الإسلامية التي تسعى إلى بناء دولة إسلامية من نمط طالبان، وتدخل الدين في جميع شؤون الحياة ابتداء من القضايا الجانبية ووصولاً إلى القضايا الاستراتيجية، ابتداء من التربية والثقافة وما يصاحبها من فكر وذوق وإبداع ووصولاً إلى نظام الحكم وما يصحبه من تشريعات وقوانين. مروراً بكل فئات المجتمع من امرأة ورجل وطفل وشيخ وعجوز.
فالدين في نظرهم والرأي لليبراليين نظام شمولي يهيمن على كل نشاطات المرء ومساعيه وعلى كل حركاته وسكناته من المهد إلى اللحد، مستخدمين في تحقيق ذلك جميع الوسائل والإمكانيات المتاحة والمتوفرة لديهم.
في حين يرى الإسلاميون الطرف الآخر بأنه طرف انتهازي ونفعي، وعلماني، يسعى لبث القيم والأفكار الغربية في المجتمع. ولا يتوانى في أن يتحالف أحياناً مع قوى خارجية تدعم التوجهات التي يطمح لها، وهذه النقطة بالذات استثمرها الإسلاميون تاريخياً.
فالتيار الإسلامي السني نشأ في أحضان الأنظمة ودائما ما استفاد من ذلك التحالف في إيجاد أرضية شرعية لتوجهاته. وتاريخياً استفاد التيار الإسلامي من التحالف مع الأنظمة في مواجهة وإقصاء القوى السياسية الحديثة، وهذا التحالف كان يخدم الطرفين سواء الأنظمة التي رأت في بعض مطالب القوى السياسية تهديداً لشرعيتها وسيادتها،
وكذلك التيارات الإسلامية، ففي فترة الخمسينات والستينيات اعتبرت الأنظمة السياسية وحلفاؤها الإسلاميون أن الحركات السياسية موجهة من الخارج سواء من عبد الناصر في فترة الخمسينات والستينات، أو من الاتحاد السوفييتي لاحقاً مع تنامي قوى اليسار، أو من إيران بعد انتصار الثورة الإيرانية.
وحالياً ظهور ما يعرف بالليبراليين الجدد، وهي التي يمثلها مجموعة قلة من الليبرالية تلك التي تتبنى المشاريع الأميركية والصهيونية وترى فيها الحل الأمثل لما يعتري الأمة العربية من مشاكل وفساد. وظل هذا التحالف قائماً وظلت هي النظرة ذاتها تجاه القوى الليبرالية،
حتى بعد أحداث سبتمبر وعلى الرغم من التضييق الذي حصل على المؤسسة الدينية في الخليج ظاهرياً، إلا أن المؤسسة ما زالت تحظى بنفوذ وتأثير في الأوساط السياسية والرسمية. وهذا ما ذكره أحد الأكاديميين المحسوبين على التيار الليبرالي السعودي التي جاءت تصريحاته إزاء اعتقال عدد من الشخصيات ذات التوجهات الإصلاحية.
تؤكد أن رموز التيار الإسلامي في المملكة العربية السعودية مازالت تحظى بهامش من الحرية والتعبير عن الرأي عكس التيار الليبرالي الذي وعلى الرغم من توفر مساحة للحرية إلا انه ليس مسنودا من جهة معينة كما الحال مع التيارات الإسلامية المسنودة من قبل المؤسسة الدينية.
وفق هذه النظرة من عدم الثقة، تجري معظم الإسقاطات من قبل كل من التيارين على معظم مجرى الأحداث، ابتداء من التشريعات والقوانين وانتهاء بالكرنفالات الثقافية والمعارض، وقس على ذلك ما تشاء.
ففي حين ينسب الإسلاميون لليبراليين رغبتهم في تخريب المجتمعات وذلك ببث القيم والأفكار الغربية وتسويقها على اعتبار انها رمز من رموز تقدم المجتمعات، يعتبر الليبراليون أن الجماعات الإسلامية تقف في شارع التاريخ بالعكس، تحتكر الحقيقة وتقفل كل أبواب الأمل وتجعل من الحياة أكثر قسوة وظلمة، وهي السبب الرئيسي في تخلف المجتمعات.
في مقالة جاءت بعنوان «هذا ما يريده المثقف العلماني» نشرت في الشرق الأوسط ، يبين فيها صاحبها استغرابه من إجابة أكاديمي كويتي يرد فيها على استفسار باحث من الإمارات حول سبب فقدان الكويت لريادتها التقليدية في المجال العمراني والاقتصادي في حين أصبحت دبي هي مركز الاستقطاب الإقليمي والعالمي.
فجاءت إجابة الكويتي في أن السبب يرجع إلى الإسلام السياسي الذي تصاعدت قوته خلال السنوات الأخيرة. يبدو أن هناك رغبة في الإلغاء والإقصاء من قبل الطرفين لبعضهما البعض، فلا الإسلامي يتنازل ويحاول أن يوجد منطقة مشتركة تجمعه مع الليبرالي ولا الليبرالي كذلك. ستظل أزمة الثقة تحكم نوايا كل طرف اتجاه الآخر.
وهنا أتذكر موقف نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه عندما شكل حكومة ائتلافية مع حزب علماني وهو حزب الطريق المستقيم في عام 1996، وكان في ذلك التاريخ أول حزب إسلامي يصل إلى السلطة في تركيا، فأول ما فعله أربكان من خلال البيان الوزاري للحكومة الجديدة انه أعلن ولاءه لمبادئ الجمهورية التي أسسها أتاتورك وفي مقدمتها العلمانية.
فالإسلام السياسي في تركيا يقدم نموذجاً متميزا في فلسفة الاعتراف المتبادل بين مبادئ العلمانية التي قامت على أساسها تركيا الحديثة وما بين مبادئ الإسلام التي تنتهجها الأحزاب الإسلامية. ولقد أعجبتني مقارنة أوردها الأستاذ علي حرب في إحدى مقالاته،
عندما قارن بين الاسم الذي اتخذته المنظمة الإسلامية في الصومال عندما اختارت اسم «المحاكم الإسلامية» عنواناً لحكومتها وبرنامجها على الرغم من أن مهام الحكومة هي أوسع وأشمل من المحاكم، فالمحاكم ما هي إلا جزء من أعمال الحكومة. ويقارن بينه وبين الاسم الذي اختاره الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا وهو حزب العدالة والتنمية، وهو بذلك يجمع بين اسم قديم وآخر حديث،
وهذا ما يعكس حالة الإسلام السياسي في تركيا الذي استطاع بقدر ما تعاطى أصحابه مع الهوية أن يوفق في الانفتاح والتجديد، وأن يوجد هذه المزاوجة المثيرة للإعجاب بين التقليد والحديث. فكلما يذهب أردوغان بعيداً عن مكنونات الهوية تركياً بحثاً عن الانفتاح العالمي الذي يخدم تركيا، كلما كان يصطدم بمعوقات الحداثة فيرجع حيث منابع الهوية التركية، وهكذا في ظل نجاح حزب إسلامي استطاع أن يمسك العصا من الوسط.
هل ستسعى الأطراف إلى إيجاد أرضية مشتركة للتحاور أم ستظل أزمة عدم الثقة والإقصاء موجودة، هل ستظل النظرة التي تحكم كل طرف بالآخر هي نفسها تلك التي ذكرها عزيز العظمة في إحدى مقالاته وإن كان يبالغ في حد الوصف الذي ذهب إليه، عندما هب رئيس الجلسة في مجلس النواب الأردني في افتتاح جلسته، طالبت الأطراف الأكثر جلبة في المجلس بأن يفتتح الجلسة باسم الله، فتم لها ما أرادت. مجاملة وإقصاء وأزمة ثقة وتعايش ما بين الطرفين.
مركز زايد للتراث والتاريخ