كما كان متوقعاً تماماً، وافق مجلس الشعب المصري ليلة الاثنين الماضي على تعديل 34 مادة في الدستور، غير مكترث لكل الأصوات المعارضة، التي رأت في التعديلات ردة كبرى للوراء، تكرس دور الدولة البوليسية، وتبعد القضاء عن مراقبة كاملة للانتخابات، وتجعل منصب الرئيس عملياً مؤبداً لشخص واحد أو من يقرر أن يصبح خليفة له أو ولياً لعهده، في حين أن الحكومة وأنصارها يرون التعديلات خطوة كبيرة في طريق الديمقراطية.

بعيداً عن الجدل بشأن هذه التعديلات ومفهومها وتأثيرها وتداعياتها المستقبلية، وهو جدل طبيعي وصحي ومتوقع، فإن الذي يجب أن يشغلنا أيضاً هو الآلية التي تمت بها التعديلات، والخطورة التي تمثلها ليس فقط الآن ولكن مستقبلاً، وليس فقط لمصر، ولكن لغالبية المنطقة العربية.

النظام قرر التعديلات وصاغها، ثم أرسلها إلى مجلس الشورى، فمرت كما هي دون تعديل حرف واحد، ومن الشورى ذهبت إلى مجلس الشعب، الذي لم يستطع بدوره أيضاً أن يجري ولو تعديلاً شكلياً واحداً عليها، وهكذا أصبحت التعديلات نافذة في انتظار تمريرها أيضاً عبر الاستفتاء بعد أيام قليلة.

الحزب الوطني الحاكم له الغالبية المطلقة، أي أكثر من الثلثين، في مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي فهو قانوناً يستطيع تمرير أي قانون، وتعديل أي دستور، ولو أرادت الحكومة غداً تعديل الدستور لتصبح مصر دولة آسيوية أو اسكندنافية لحصلت على ما تريد!.

الذي حصل ليلة الاثنين في مجلس الشعب يفسر لنا سبب اندفاع الحزب الوطني وتزويره الواضح للمرحلتين الثانية والثالثة من الانتخابات البرلمانية في أواخر العام قبل الماضي، واستقتال أجهزته في الحصول على أغلبية الثلثين، بعد أن أدى الحياد الجزئي إلى صعود كبير للمعارضة المتمثلة أساساً في جماعة الإخوان المسلمين، وكثير من المستقلين غير المحسوبين على الحكومة.

انتهت هذه الانتخابات بحصول الإخوان على ربع المقاعد تقريباً، والحزب الوطني الحاكم على 32%، ولكنه وعبر إغراء المستقلين استطاع ضمهم إلى حزبه وحصل على أغلبية الثلثين.

ذلك هو الواقع، والمؤكد أن المعارضة المصرية تدركه جيداً،. ومن هنا لا يفهم المرء سر غضبها العارم و«المندبة» التي أقامتها حداداً على تمرير التعديلات.. طبعاً سيقول قائل إن ذلك من حق المعارضة، حتى ولو من باب فضح الحكومة و«إبراء الذمة» أمام مؤيديها وأمام التاريخ.. هذا صحيح، لكن غير المقبول هو أن كثيراً من المعارضين راهنوا على حدوث مفاجأة في اللحظات الأخيرة تمنع تمرير التعديلات بشكلها الراهن.

السؤال الموجه للمعارضة المصرية هو باختصار، هل كانت تتوقع غير ذلك من الحزب الوطني؟ أليس هو الحزب الذي توجه له الاتهامات ليل نهار بالتفرد والديكتاتورية؟ هذا أولاً.

وثانياً: ما الذي يدفع الحزب الوطني ويجبره على تقديم تعديلات دستورية كاملة ترضي الجميع يشرف فيها القضاء على كل مراحل العملية الانتخابية، وتتوسع الحريات ويقل دور أجهزة الأمن، وتتحدد مدة حكم الرئيس بفترتين على الأكثر، لو حدث ذلك وتم إقرار تعديلات حقيقية لسقط الحزب الوطني بـ «الثلاثة» في أول اختبار انتخابي.

البعض قد يستشهد بالفريق عبدالرحمن سوار الذهب عندما ترك الحكم بعد الانقلاب وأجرى انتخابات نيابية في منتصف الثمانينات بالسودان، وكذلك بالتجربة الموريتانية قبل أيام.. ولهؤلاء نقول لهم أن ما حدث في التجربتين ليس طيبة قلب الجنرالات فقط، ولكن لم يكن أمامهما مفر من ذلك والسبب أن البلدين فيهما قوى سياسية حية.

إذن الذي يدفع الحزب الوطني وأي حزب مكانه على فعل ذلك ليس «طيبة قلبه» أو حنانه وولعه الشديد الديمقراطية»، كما أن تظاهرات «كفاية» والمقالات النارية في صحف المعارضة لن تجبره على التغير مع كل التقدير لـ «كفاية» والصحافة.

الذي يجبر الحزب الوطني أو أي حزب مشابه على فعل ذلك هو وجود قوى سياسية فاعلة وحية في المجتمع تستطيع حشد وتجييش عدد كبير ومنظم من المواطنين عبر مقاومة سلمية.. والواقع باختصار الذي يعرفه القاصي والداني هو أن القوة المنظمة الوحيدة الموجودة في مصر هي جهاز الأمن، وبعده بمراحل جماعة «الاخوان المسلمين» المحظورة قانوناً،

والتي بدأت الحكومة حرب تكسير عظام معها منذ شهور، غير ذلك فلا يوجد لدينا شيء.. أحزاب المعارضة مع كل التقدير لقلة محترمة داخلها هي مجرد لافتات على شقق، بعض قادتها أسوأ من مسؤولين حكوميين كثيرين. النقابات مفرغة، الجمعيات الأهلية كثيرة، لكنها بلا فاعلية.

إذن المعارضة وما يسمى بالمجتمع المدني غير موجودين لأنه باختصار لا يستطيعان الوصول إلى المواطن البسيط في الشارع والتأثير على قراره في التحركات والانتخابات... انظروا إلى واقع أحزاب المعارضة، جميعها مأزومة.. بل وأزمتها أسوأ من مأساة الحكومة نفسها.

باختصار المشهد الذي عشناه في قضية التعديلات الدستورية الأخيرة في مصر هو أن المعارضة نجحت بامتياز في فضح الحكومة، والحكومة نجحت بامتياز في تمرير التعديلات التي تريدها.. وعاد كل إلى بيته قرير العين.. لكن من أخبر المعارضة المصرية أن الحكومة تخشى الفضيحة..؟

emadiraqi@yahoo.com