الأسابيع الأربعة التي استغرقها رئيس الحكومة إسماعيل هنية، لتشكيل حكومته حتى قدمها لنيل الثقة من المجلس التشريعي يوم السبت السابع عشر من الجاري، تلك الأسابيع كانت طويلة بالقياس لسرعة التوصل لاتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس في الثامن من فبراير الماضي. ويبدو أن إطالة الوقت كان الهدف منه أن تحصل حركة حماس على أغلبية بأصوات ثلاثة عشر وزيراً بينما تحاول فتح أن تحصل على الثلث المعطل.

المواطنون الفلسطينيون، الذين عاشوا معاناة الاقتتال الداخلي، أبدوا دهشة كبيرة من سرعة وسهولة الحوار والاتفاق في مكة، حتى ظن الكثيرون أن أمر تشكيل الحكومة لن يستغرق سوى أيام معدودة، غير أن ذلك التفاؤل كان مقروناً بحذر شديد وقلق من قدرة الاتفاق والحكومة على الصمود والثبات، خصوصاً وأن توقيع الاتفاقية لم يؤد إلى وقف الكثير من مظاهر وتداعيات المرحلة التي سبقته.

حسب مركز الميزان لحقوق الإنسان فإن الفترة ما بين توقيع الاتفاق إلى تقديم الحكومة لنيل الثقة، شهدت سقوط خمسة وعشرين قتيلاً وأكثر من مئة وأربعين جريحاً، هذا بالإضافة إلى استمرار ظاهرة السرقة والجريمة والاختطاف، وقتل أربع نساء على خلفية الشرف فيما بقيت الحواجز والكتل الإسمنيتة ونشطت عمليات التدريب على استخدام السلاح والعمل العسكري.

استمرار مناخات التوتر الداخلي بعد توقيع اتفاق مكة ترك انطباعات لا تألف مشاعر القلق التي أبداها الرأي العام الفلسطيني، فضلاً عما ظهر من وجود مخالفة للاتفاق من قبل جماعات كثيرة لديها إمكانيات التخريب، ولا تجد مصالحها في تنفيذ الاتفاق، والتئام الوضع الداخلي.

على أن الجمهور الفلسطيني الذي بدا عليه القلق والحذر جراء طول الفترة التي استغرقها تشكيل الحكومة، فوجئ أيضاً بطبيعة الاتفاق الذي تم التعبير عنه من خلال البرنامج الذي تلاه رئيس الحكومة أمام المجلس التشريعي ونال على أساسه الثقة،

ومن بعد ذلك أداء اليمين الدستوري أمام الرئيس محمود عباس في اليوم ذاته، مصدر المفاجأة، كان في جحيم الفارق بين خلاف بلغ حد استخدام العنف، وبرنامج يعكس في مختلف مفاصله، وصياغاته وأسلوبه وتعبيراته، برنامج منظمة التحرير الفلسطينية مطوراً. المفاجأة تحولت إلى تساؤل بشأن دواعي استخدام العنف وسقوط المئات من القتلى والجرحى، طالما أمكن الاتفاق على برنامج كالذي قدمه رئيس الحكومة.

البرنامج جاء ناضجاً وعصرياً وشاملاً بحيث تناول مختلف الجوانب من البعد السياسي إلى موضوع القدس ومواجهة الاحتلال، والموضوع الأمني، والقانوني والاقتصادي، وموضوع الإصلاح، وتعزيز منظمة التحرير الفلسطينية والعلاقات العربية والدولية، بما يشكل تطويراً لبرامج الحكومات التسع السابقة على حكومة حماس العاشرة.

وفق تقييم أولي سريع يمكن القول إن برنامج الحكومة خلا من أي بصمة حمساوية ويعكس طابعاً إصلاحياً علمانياً طموحاً في مختلف المجالات بما في ذلك المجال الاجتماعي والتعليم والثقافي، ويتيح المجال لحركة سياسية نشطة على مستوى المفاوضات والعلاقات الخارجية، بدون عوائق.

حتى البند الأول من العنوان الذي يتحدث عن مواجهة الاحتلال، وسجلت الإدارة الأميركية اعتراضها عليه، والذي يؤكد حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال حتى هذا البند صيغ بأسلوب معتدل جداً لا يعكس رغبة في مواصلة العمل الكفاحي العسكري.

حسب النص، فإن هذا الحق يؤكد استدراكا يشدد على المقاومة الشعبية الجماهيرية، ويستند إلى كافة الأعراف والمواثيق الدولية كافة، وينطلق من مبدأ وموقع الدفاع عن النفس أمام العدوان الإسرائيلي المتواصل،

وقد أكد البند الذي يليه تماماً على استدراك عملي للتأكيد على أن تثبيت حق المقاومة بكافة أشكالها، لا يعني أنه الخيار المطروح للممارسة، حيث نص على أن الحكومة ستعمل عبر التوافق الوطني على تثبيت التهدئة وتوسيعها لتصبح شاملة ومتبادلة ومتزامنة، وذلك مقابل التزام الاحتلال الإسرائيلي بوقف إجراءاته على الأرض واعتداءاته.

ولاحقاً استخدمت عبارات تفيد على أن هذه الحكومة هي حكومة الرئيس بما ينسجم مع القانون الأساسي. وفي جانب آخر نص البرنامج على أن الحكومة تؤكد على ما جاء في وثيقة الاتفاق الوطني بأن إدارة المفاوضات هي من صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية وتحقيقها وعلى قاعدة حماية الحقوق والثوابت الفلسطينية وعلى أن يتم عرض أي اتفاق سياسي يتم إنجازه على المجلس الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج بقانون ينظمه.

ومن الواضح أن البرنامج بمختلف مفاصله، يؤشر إلى أن حركة حماس قد تقدمت خطوات كبيرة نحو العمل السياسي، ونحو الاندماج في النظام السياسي بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية سياسية للشعب الفلسطيني، وعلى أساس احترام الاتفاقيات والالتزامات التي وقعتها المنظمة والسلطة،

بذلك تكون الحكومة التي ترأسها وتشكل حركة حماس أغلبية وزرائها، قد انتقلت إلى مواقع الاعتراف مع الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، ونحو التعامل معها بطريقة لا تمت إلى الماضي، ولأن البرنامج جاء ناضجاً، وأشد وضوحاً وشمولية ومرونة،

من العبارات المقتضبة التي خرجت عن اتفاق مكة، وأظهرت مدى إخلاص الطرفين حماس وفتح لما جرى الاتفاق عليه، فقد أخذت تتهاوى جبهة الحصار، وفشلت الحملة الإسرائيلية التي جردتها حكومة أولمرت لإقناع المجتمع الدولي باستمرار فرض الحصار بدعوى عدم استجابة الحكومة الفلسطينية لاشتراطات الرباعية الدولية.

في واقع الأمر فإن البرنامج الحكومي الذي يترجم اتفاق مكة قد عكس التزاماً غير مباشر بالشروط الدولية، إذ إن النص على احترام الاتفاقيات والالتزامات التي وقعتها المنظمة والإعلان صراحة عن صلاحياتها إزاء ملف المفاوضات والملف السياسي عموماً، إنما ينطوي على استعداد للتعامل مع ما سبق للمنظمة أن أعلنته قبل أوسلو من استجابة للشروط ذاتها التي تطرحها الرباعية اليوم.

وربما انطلاقاً من هذا الفهم، وجدنا تبايناً بين دول ـ على الأرجح يزداد عددها ـ تعترف بالحكومة الجديدة وتبدي استعداداً للتعامل معها كروسيا والنرويج وربما إيطاليا وفرنسا في وقت قريب، وأخرى تقف بين هذه الدول والموقف الأميركي الذي شهد هو الآخر تقدماً باتجاه التعامل مع الوزراء في الحكومة من غير حركة حماس مما يميز الموقف الأميركي.

وإذا كانت ردود الفعل الدولية ولدت تقريراً صحيحاً لدى الفلسطينيين من أن رفع الحصار سيتم تدريجياً، فإن جودة الأداء الحكومي من شأنها أن تسرع في عملية رفع الحصار خصوصاً وأن المجموعة العربية التي ستلتقي في قمة الرياض في الثامن والعشرين من هذا الشهر، تبدي ترحيباً بالحكومة الفلسطينية وبرنامجها، مما يدعو للاعتقاد أنها ستبذل جهداً حقيقياً أكبر من أجل رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

على أن هذا التوافق السياسي الذي يعكسه برنامج الحكومة لا يكفي لضمان استقرارها وثباتها لفترة طويلة، إذ سيظهر مدى الاختلاف عند معالجة الصلاحيات والقضايا الأخرى التي تتصل بالأجهزة الأمنية والتوظيفات، والقوانين، وآليات وأطر العمل اليومي المشترك.

كاتب فلسطيني