قرب نهاية الولاية الرئاسية الأخيرة للسيد بيل كلينتون، وقد تزامنت كما هو معروف مع ختام القرن العشرين، نشر الحزب الجمهوري بيانه عن السياسة الخارجية لمرشحه المرتقب - جورج بوش - الابن. وكان معروفاً أن الذي وضع معالم هذه السياسة. وقام بصياغة البيان المذكور نجم صاعد وقتها في صفوف الجمهوريين وشخصية مقربة إلى درجة حميمة من عائلة بوش الرئاسية في تكساس.. وهذا النجم عرفته الإدارة الجمهورية بعدها كما عرفه العالم باسم الدكتورة كوندوليزا رايس.
والمهم أن جاء بيان السيدة رايس ليبشر (أو ينذر) بأن إدارة بوش ـ الابن لن تركز كثيرا على منطقة الشرق الأوسط وربما لن تولي محور اهتمامها أيضا إلى قارة أوروبا أو حتى آسيا.. خاصة وقد انتهت الحرب الباردة بزوال الخصم السوفييتي العنيد أو الذي ظل عنيدا على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.
يومها كتبنا عن خطر تهميش الاهتمام بالشرق الأوسط (وفي جوهره قضية الشعب العربي الفلسطيني) ويومها أيضا رصدنا تركيز بيان الجمهوريين على نصف الكرة الغربي وخاصة على ما سوف توليه أميركا - بوش من اهتمام مكثف لأميركا اللاتينية من أجل توطيد وترسيخ العلاقات مع دولها وشعوبها وخاصة من منظور قضايا الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى الولايات المتحدة في الشمال، ومن منظور كون القارة الأميركية الجنوبية سوقا شاسعة ومفتوحة للمنتجات التي تصدّرها واشنطن.
فضلا عن وجود جاليات ذات حجم كبير وذات أصول لاتينية أو أصول هسبانية كما تعرف في القاموس السياسي الأميركي. وهذه الجاليات - وخاصة المجنسين من أبنائها - يحسب لها حساب في موازين الترشيح والانتخاب على مختلف مستويات العمل العام في الولايات المتحدة ابتداء من موقع رئيس الدولة وليس انتهاءً بحكام الولايات وأعضاء مجلسي الكونغرس وصولا إلى أعضاء المجالس المحلية والبلدية، ومن في مستواهم.
لكن الأمور تغيرت بصورة جذرية بعد حادثة 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من تحول اهتمام إدارة بوش إلى الشرق الأوسط. سواء في شرقي البحر المتوسط أو على صعيد الحيز الجغرافي الأوسع للمنطقة. إلى حيث أفغانستان في أقصى شرقها ومن ثم العراق حيث مازالت الولايات المتحدة غارقة أو غائصة في ورطة رمال ناعمة في كابل أو في غمرة مستنقع متفجر في بغداد.
وبديهي أن جاءت هذه التحولات في السياسة الخارجية الأميركية على حساب الاهتمام الذي كان مطروحاً منذ البداية بقارة أميركا اللاتينية. وهكذا وجدت إدارة بوش نفسها مع مفتتح عام 2007 الراهن بإزاء أوضاع بالغة التوتر وربما منذرة بالخطر في ردهتها اللاتينية الممتدة إلى الجنوب.. وكانت أهم أبعاد الصورة على الوجه التالي:
(1) صمود النظام الكوبي الذي طالما راهنت إدارات واشنطن المتعاقبة على تصدعه أو انهياره أملا في زواله ولاسيما في ضوء الحالة الصحية السلبية لزعيمه فيديل كاسترو.. ورغم أن واشنطن دأبت على تحجيم كوبا وتشديد قبضة حصارها المزمن من حول الجزيرة الكاريبية.. الدينامية والمشاغبة أيضا (وعلى مدار ما يقرب من نصف قرن). إلا أن هافانا ما برحت ـ رغم التقشف والأزمة الطاحنة - تشكل نموذجاً لا يخبو له بريق في عيون شعوب أميركا اللاتينية.
(2) وربما كان الأخطر أيضا أن ظلت هافانا تشكل بؤرة للرفض ونموذجاً لانتقاد النموذج الأميركي إلى الشمال ولاسيما في ضوء السلوكيات الموصوفة بالإمبراطورية أحيانا.. أو بالإمبريالية أحيانا وقد أقدمت عليها واشنطن في ظل المحافظين الجدد بعد حادثة سبتمبر 2001.. بل شهدت القارة اللاتينية تنامي هذه النزعات الرافضة لسياسات واشنطن - دع عنك إهمالها لجيرانها الجنوبيين لحساب اهتمامها كما أسلفنا بالشرق الأوسط.. وكانت النتيجة أن تحولت مواقف الانتقاد إلى مواقف أقرب إلى الانشقاق والرفض والتمرد الصريح والمرير أيضاً.
(3) تجسدت هذه التحولات في مواقع لابد وأن تشكل أهمية محورية بالنسبة للمصالح الاقتصادية الأميركية وفي مقدمتها تأتي حالة شافيز في فنزويلا وهي حالة متطرفة فضلا عن كونها بترولية كما أصبح معروفا وتليها حالة موراليس في بوليفيا وهي حالة أقل تطرفا رغم أنها بدورها تجسد رفضا لسياسات أميركا من جانب سياسي وزعيم جاء من صفوف شعوب السكان الأصليين - الهنود الأميركيين كما يمكن أن نسميهم..
وثمة حالات أخرى منها أوضاع مشحونة بالاحتمالات المتوترة بعد عودة دانييل أورتيجا الظافرة إلى السلطة في نيكاراغوا ثم حالة باتشيل رئيسة شيلي التي تمثل يسار الوسط في الطرف الجنوبي من القارة اللاتينية وحالة اليساري المتعقل لولا داسيلفا في البرازيل أكبر أقطار القارة وأهمها من حيث الموارد والسكان و.. المشاكل أيضا.
والملاحظ أن هذه الجماهير الرافضة عبرت عن مواقفها السلبية إزاء سياسات واشنطن في استطلاع لاتجاهات الرأي العام أجرته مؤخرا هيئة الإذاعة البريطانية وأسفر عن تيارات عارمة - إحصائيا - من رفض بل وإدانة هذه السياسات بنسب شتى منها 64 في المئة في الأرجنتين و57 في المئة بالبرازيل و53 في المئة في المكسيك.. وفي إطار هذا الاستطلاع اهتمت جماهير العينة المفحوصة بالإعراب عن آراء سلبية إزاء الرئيس بوش وتلك نقطة محورية أخضعتها للتحليل مجلة الايكونومست البريطانية (عدد 3/3)
موضحة أن أهم أسباب هذا الرفض يرجع إلى سياسة إدارة السيد بوش إزاء الحرب في العراق حيث وصلت نسبة رفض هذه الحرب إلى 85 في المئة بالبرازيل و80 في المئة بالمكسيك وربما يكون الأخطر هو اتساع نطاق هذا الرفض بين صفوف جاليات اللاتينو من ذوي الأصل الهسباني كما أوضحنا داخل الولايات المتحدة نفسها ومعظمهم يشكلون قطاعات يعتد بها من حيث الحجم والتوجهات بين كتلة الناخبين الأميركان وقد بلغت النسبة في هذا المضمار 66 في المئة من رافضي سياسة أميركا في العراق على نحو ما أفاد به استطلاع آخر للرأي تم في شهر يناير الماضي.
وفي رأينا فإن أمر زيارة بوش لم يقتصر فقط على الجوانب الدعائية ولا حتى على الجوانب السياسية أو دعم العلاقات الإقليمية في النصف الغربي من العالم.. صحيح أن هذا الجانب نال اهتماما عميقا من ميديا الإعلام.. خاصة وقد اتسم بقدر ملحوظ.. بل وطريف من الإثارة.. الدرامية كما قد نسميه..
وما بالك بزيارة رئاسية أميركية يقوم بها السيد بوش لأقطار في أميركا اللاتينية ولكن كانت تتوازى معها زيارة رئاسية مناظرة أو منافسة.. لاتينية هذه المرة يقوم بها السيد شافيز في عدد من أقطار نفس القارة منددا بالزيارة الأولى ولدرجة أن وصف المحللون هذا الوضع بأنه كان مباراة ثنائية بين «جورج و.. هوغو» - الاسم الأول لكل منهما.
لكن الأمر الذي نحب أن نلفت النظر إليه من منظورنا العربي القومي هو ما يتمثل في البند الأهم الذي تصدّر أجندة الرئيس الزائر القادم من واشنطن وهو بند الطاقة وبالتحديد التماس مصدر أو مصادر جديدة للطاقة بديلا بالذات عن البترول..
وهو ما يرتبط بالجهود الأميركية المتواصلة لالتماس بدائل للوقود البترولي الأحفوري بكل ما يرتبط به أولا من مشاكل الاستخراج والنقل من مناطق ملتهبة (الشرق الأوسط مثلا) مع ما يسهبون في ترويجه ثانيا من خطر الانبعاثات الكربونية الناجمة عن احتراق البترول مما يدفع الإدارة الأميركية إلى الاهتمام بتجربة البرازيل بالذات في استخدام وقود الايثانول المستخرج من نبات الذرة ولدرجة أن هناك من أطلق على رحلة بوش اللاتينية مصطلح «الإيثابوليتيك» بمعنى سياسة التماس موارد الطاقة الجديدة - البيو فيولز أو المحروقات المستمدة من مادة الزروع والنباتات.. وهى تلك البدائل التي مابرحت تمثل هاجسا يؤرق الغرب عند مستوى البحث العلمي ومستوى صنع السياسة على السواء.
كاتب مصري