شأن مدن أخرى كثيرة، فإن ديستريكت أوف كولومبيا، أو مدينة واشنطن الإدارية، تعاني من مشكلة الجريمة. هذه المشكلة تسير من سيئ إلى أسوا في المدينة لاسيما مع ظهور أنواع جديدة من المخدرات تتسبب في حدوث نزاعات جديدة بين العصابات. وبشكل يختلف عن معظم المدن الأخرى، فإن المدينة لديها مشكلة حقيقية مع الإرهاب. فمبنى البنتاغون تعرض لهجوم في الحادي عشر من سبتمبر وتبقى المدينة على رأس قائمة المناطق المستهدفة من قبل الإرهابيين.
وقد مررت المنطقة من قبل واحد من أكثر القوانين غلظة في البلاد في مجال السيطرة على الأسلحة، حيث تحظر المدينة أي امتلاك للمسدسات. وتقوم شرطة المنطقة بالدور الأكبر في تكريس وتطبيق هذا القانون، حيث تعمل على ضبط أي فرد يحمل سلاحا أو يخزنه في بيته، وتسعى إلى تفادي المشكلة قبل وقوعها، أي قبل أن تبدأ عملية إطلاق النار. ولا يوجد هناك تصنيع للأسلحة في المدينة، حيث تقوم العصابات في الغالب باستيرادها من الخارج.
وتحظى قوانين الولاية في مجال مكافحة التسلح بموافقة ودعم الغالبية العظمى من السكان. غير أنه حدث مؤخرا أمر عجيب، حيث أوقفت محكمة استئناف فيدرالية العمل بحظر امتلاك واستخدام المسدسات بوصفه قرارا يخرق التعديل الثاني للدستور، إذ حكمت المحكمة بأن المدينة لا يمكنها منع السكان من الاحتفاظ بالمسدسات في منازلهم.
وكتب القاضي الفيدرالي لورنس سيلفرمان صياغة هذا القرار القضائي للمحكمة. هذا الرجل لا يكترث بالتهديد الذي تشكله العصابات التي تحمل المسدسات. كما أنه غير آبه بفكرة أن الخلايا الإرهابية تستطيع بسهولة تخزين أسلحة استعدادا لأي هجوم محتمل. ولا يأبه أيضا بأن الحكومة المنتخبة ديمقراطيا من قبل المدينة قد مررت هذا القانون الذي رأته في مصلحة الغالبية العظمى من سكان المدينة الذين هم بدورهم يؤيدون الحظر المفروض على هذا النوع من الأسلحة.
الرأي الذي عملت به المحكمة يعد سخيفا ومنافيا للمنطق في نظر أي عالم يهتم بالهدف الرئيسي الذي وضع من أجله مؤسسو الولايات المتحدة دستور بلادهم. فالتعديل الثاني للدستور ينص على الآتي: «فيما يتعلق بالميليشيات المنظمة التي يعتبر وجودها ضروريا لضمان أمن دولة حرة، فإن حق الشعب في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها لا يجب انتهاكه».
وكما كتبت القاضية كارين ليكرافت هيندرسون، وهي قاضية معينة من قبل الجمهوريين، في نص عدم موافقتها على الحكم، فإن التعديل الثاني يخص «تلك الميليشيات التي يعتبر وجودها ضروريا لحماية الولايات». في تلك الأيام التي شهدت ذلك التعديل الثاني للدستور، كانت الميليشيات التي تتكون من مواطني الدولة مهتمة للغاية بضمان حقوق الولاية التي يعيشون فيها. وجاء التعديل كرد فعل لمحاولة الملك البريطاني وقتها قمع الميليشيات.
أن حكم القاضي سيلفرمان ينتهك المبادئ الديمقراطية، بل إنه ينتهك الأهداف السامية التي عمل مؤسسو هذه الدولة على تطبيقها. القلق من وجود ميليشيات منظمة هو أمر بعيد كل البعد عن حيثيات الحكم الذي قضى به القاضي والذي بدوره يجعل من المستحيل السيطرة بشكل عقلاني على انتشار السلاح في المناطق المدنية من دولتنا، وبشكل يتماشى مع المنطق.
إن هذا الحكم لا يتجاهل ما وقع من أحداث عنف سابقة فحسب، وإنما يكشف عن الخطر الحقيقي المتمثل في وجود ثلة من متطرفي الجناح اليميني في النظام القضائي لهذا البلد. إن سيلفرمان هو أحد نشطاء الجناح اليميني سيئ السمعة والذي استُخدم بشكل كبير من قبل حزبه لتشويه سمعة الرئيس السابق بيل كلينتون. إنه ينتمي لهذا النمط من القضاة الذي يواظب جورج بوش على إدانته بشكل منتظم باعتباره من المستعدين لتغليب أيديولوجيته السياسية على مصالح الشعب وباعتباره مستعدا للتورط في تفصيل الأحكام القضائية عندما تتوافق مع اتجاهاته الأيديولوجية.
إن مثل هذا الاتجاه اليميني متحيز للقضايا اليمينية المتشددة الخاصة بالجمعية الوطنية لتصنيع البنادق والجهات الخاصة الأخرى التي تتبنى الأيديولوجية نفسها. إن مثل تلك الجهات مستعدة لانتهاك القوانين التي سنها مشرعون منتخبون بشكل ديمقراطي من أجل تنفيذ سياساتهم.
إن المحاكم الأميركية تكتظ الآن بمثل تلك العناصر. ومثل هذا الحكم الذي صدر مؤخرا يوضح أن ما تحقق من نجاحات مدنية في العقود الماضية في مجالات تكريس الحقوق المدنية والسيطرة على شيوع الأسلحة وتعزيز حقوق العمال وحقوق المرأة أصبحت كلها مهددة من قبل هذا القطيع الهائج المتعطش للعنف.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل«البيان»