تصاعدت حدة الأزمة بين موسكو وطهران حول محطة بوشهر واستمرار العمل فيها بعد توقف الجانب الإيراني عن سداد المستحقات المطلوبة للشركة الروسية «أتوم ستروي إكسبورت » القائمة على العمل في المحطة منذ يناير الماضي، الأمر الذي ترتب عليه امتناع الجانب الروسي عن توريد حصة الوقود النووي اللازم لتشغيل المحطة والتي كان مقرراً تسليمها في نهاية مارس الجاري، وترددت شائعات حول احتمال سحب العاملين الروس في المحطة ووقف العمل فيها، ولكن شركة «آتوم ستروي اكسبورت» الروسية نفت الأنباء التي تتحدث عن سحب الخبراء الروس من موقع بناء محطة بوشهر الكهرذرية.

وكانت وكالة اسوشيتد برس الأميركية قد ذكرت نقلا عن مصادر دبلوماسية أوروبية لم تكشف عن هويتها وممثلين عن الإدارة الأميركية أن عددا كبيرا من الفنيين والمهندسين وغيرهم من الخبراء الروس كانوا قد عادوا إلى موسكو الأسبوع الماضي.

وأكد متحدث باسم الشركة الروسية في تصريح أدلى به لوكالة نوفوستي أن تلك الأنباء عارية عن الصحة. وذكر أن العمل في موقع بناء المحطة لم يتوقف. وأضاف أن الشركة تبذل كل ما في وسعها من أجل مواصلة العمل على الرغم من غياب التمويل الضروري من جانب إيران.

وعلمت وكالة نوفوستي من مصدر في الشركة الروسية أن المفاوضات بين الشركة الروسية والجانب الإيراني حول إكمال أعمال البناء ستستأنف بعد انتهاء عيد النيروز الإيراني. وذكر المصدر أن توقف المفاوضات جاء بسبب حلول هذا العيد حيث عاد وفد شركة «آتوم ستروي اكسبورت» إلى موسكو.

وأضاف أن المباحثات التي استمرت يومين في طهران شهدت التركيز على مناقشة المسائل المتعلقة بضمان تمويل مستمر وكاف لأعمال بناء المحطة في الأشهر الستة القادمة. وأكد أن آخر مبلغ استلمته الشركة الروسية من الجانب الإيراني كان في أواسط شهر يناير 2007.

نائب سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي حسيني تاش صرح بأن المشاكل الخاصة ببناء المحطة الكهرذرية في بوشهر لا تمت بصلة إلى الوضع الذي يحيط بالملف النووي الإيراني.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قد ذكرت في إشارة إلى مصادر لم تكشف عن هويتها أن الجانب الروسي وجه أثناء لقاء علي حسيني تاش مع نظيره الروسي إيجور ايفانوف إنذارا نهائيا إلى طهران قائلا إن روسيا لن تجهز إيران بالوقود النووي المطلوب لتشغيل محطة بوشهر ما لم توقف إيران أعمال تخصيب اليورانيوم . وفي موسكو نفى إيفانوف ما نشرته الصحيفة الأميركية.

وانتقد المكتب الصحافي لمجلس الأمن الروسي تلك المزاعم مؤكدا أنها عارية عن الصحة. وشدد على عدم وجود ارتباط بين حل المشكلة النووية الإيرانية وإكمال بناء محطة بوشهر الكهرذرية .

الواقع أن روسيا لا ترى صلة بين إنجاز مشروع بناء المحطة الكهرذرية في بوشهر والعمل على إعداد قرار مجلس الأمن الدولي بحق إيران، كما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ذلك في كلمة ألقاها في البرلمان الروسي، وقال لافروف «لقد رأينا أكثر من مرة محاولات مماثلة لتأويل موقف روسيا بغية الإيقاع بيننا وبين دول أخرى تتعامل معنا أو انطلاقا من المصالح الذاتية المغرضة.

وتتخذ هذه المحاولات نفس دوافع وأساليب الحرب الباردة السابقة». ومن المعروف أنه بموجب الاتفاق الإيراني مع موسكو فإنه من المفترض أن يتم الانتهاء من بناء الوحدة الأولى من المحطة في سبتمبر القادم بعد أن يقوم الروس بتسليم الوقود النووي اللازم لتشغيلها، والذي كان مقررا تسليمه قبل نهاية مارس الجاري،

وبموجب الاتفاق يلتزم الجانب الإيراني بسداد المستحقات المالية بمقدار 25 مليون دولار شهريا لشركة «أتوم ستروي اكسبورت» الروسية القائمة على المشروع ،ولكن حسب تصريحات المتحدث باسم الوكالة الروسية للطاقة الذرية أن الإيرانيين اعتادوا التأخير في السداد بشكل مستمر واعتادوا سداد مبلغ أقل من المقرر، حيث كان من المفترض أن يتسلم الجانب الروسي في أكتوبر الماضي 33 مليون دولار و لكن الإيرانيين دفعوا 8 ملايين فقط،

وفي الشهر التالي كان المستحق 50 مليونا لم يدفع منهم الإيرانيون سوى 21 مليونا فقط، والآن وقد اقترب موعد تسليم الوقود النووي للمحطة يخشى الروس ضياع حقوقهم المالية، ولهذا فقد أعلن رئيس الوكالة الدولية الروسية للطاقة الذرية «سيرجي كيرينكو» في الرابع عشر من الشهر الجاري أن الجانب الروسي سيستمر في بناء المحطة ولكن موعد تسليم الوقود النووي وتشغيل المحطة لن يتحدد إلا بعد سداد المستحقات .

هناك من يرى أن روسيا تريد التهرب من تسليم الوقود النووي طمعا في إرضاء واشنطن وأيضا إسرائيل التي تسعى موسكو لتحسين العلاقات معها بهدف تفعيل الدور الروسي في الشرق الأوسط وبهدف تسوية الخلافات بين البلدين حول الروس الهاربين من القضاء واللاجئين لإسرائيل، كما يرى البعض أن روسيا لم تعد تهمها محطة بوشهر التي قاربت على الانتهاء

وذلك بعد أن انفتحت أمامها أسواق كبيرة لتسويق تكنولوجيتها النووية بعد أن تعاقدت مع الهند على بناء عشر محطات ومع بلغاريا و المغرب ودول أخرى، و أن موسكو لم تعد تطيق المشاكل التي تسببها لها طهران دوليا وأصبحت في غنى عنها بعد انفتحت لها الأسواق العالمية للطاقة النووية وتطمح روسيا في نفس الوقت لغزو سوق الطاقة النووية في دول الخليج العربي وخاصة السعودية التي زارها الرئيس بوتين مؤخرا

ولا يدرى أحد ماذا تم في هذه الزيارة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهناك من يقول إن موسكو نما لعلمها أن لدى إيران بالفعل برنامج نووي سري بعيد عن محطة بوشهر سيتم فيه تخصيب اليورانيوم، وأن إيران لا تريد أن تنفق الأموال من العملة الصعبة التي هي في حاجة إليها على محطة بوشهر التي من المتوقع أن توجه لها الولايات المتحدة ضربتها العسكرية المتوقعة .

وهناك من يعتقد أن الأمر لا يعدو كونه تمثيلية إيرانية - روسية متفق عليها بين الطرفين بهدف امتصاص الغضب الغربي على إيران وإعطاء روسيا دافعا قويا للتصدي على الساحة الدولية لنية واشنطن توجيه الضربة العسكرية، ويقول أصحاب هذا الرأي أنه ليس من المعقول أن تختلف موسكو وطهران على بضعة ملايين من الدولارات في الوقت الذي استلمت فيه إيران مؤخرا من روسيا أسلحة تقترب قيمتها من المليار دولار

ويتوقع تسليم أسلحة أخرى لها قريبا، وأيضا يوجد الآلاف من الخبراء والعسكريين الروس في إيران، وأن العلاقات بين البلدين تجاوزت منذ فترة طويلة مشروع محطة بوشهر وأصبحت علاقات سياسية واستراتيجية أكثر منها تجارية وربحية.

من الواضح أن حساسية وضع الملف النووي الإيراني على الساحة الدولية هي التي أدت لتباين الآراء حول حقيقة الأسباب وراء أزمة محطة بوشهر التي ربما في الواقع لا تزيد عن كونها خلافات فنية حول عمليات سداد المستحقات المالية، بينما العمل مستمر في المحطة .

جامعة سيبيريا