تعيش عدة دول شرق أوسطية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حالات استثنائية، فهي اما دول تم احتلالها من قبل الولايات المتحدة، مثل أفغانستان و العراق، أو دول تُنتهك أراضيها عن طريق الاحتلال أو القصف من قبل بعض دول الجوار كما هو الحال في فلسطين ولبنان والصومال.
إلا أنه في الحالتين، وعلى الرغم من أن زي الجندي والعلامة التي تحملها دبابته والعلم الذي يرفرف فوقها يختلف في هذا المكان عن ذاك، إلا أن هذا الجندي ينفذ أجندة وتعليمات دولة واحدة في العالم، وهي الولايات المتحدة. فبالنسبة لأفغانستان والعراق لم تجد الجيوش الأميركية صعوبة في إلحاق هزيمة سريعة بجيوش أو أشباه الجيوش في هذين البلدين محققة نصراً عسكرياً خاطفاً بسبب التفوق الهائل في القدرات العسكرية التي توظف أفضل المبتكرات العلمية والتكنولوجية المعاصرة التي تفتقر إليها جيوش الدول المهزومة.
ولم يجد الجيش الإسرائيلي ما يمنعه من تكرار اجتياح المدن الفلسطينية ليصبح احتلاله مزمناُ لها، ولا من يؤنبه عندما ينتهك سيادة لبنان بين الحين والآخر. أما الاحتلال الأثيوبي للصومال فهو احتلال بالنيابة عن الولايات المتحدة التي لها ذكريات لا تنسى في الصومال في تسعينيات القرن المنصرم.
يعتمد مستقبل دول مثل أفغانستان والعراق على توازن دولي وإقليمي ومحلي حساس، فالحكومات القائمة في هذين البلدين ضعيفة لا تستطيع الاستغناء عن وجود قوات الاحتلال لضمان قدر محدود من الأمن والنظام، ففي أفغانستان تتسع وتتصاعد أعمال المقاومة المسلحة ويزداد نفوذ لوردات الحرب وتنتعش تجارة المخدرات، والأخطر من ذلك تتسع دائرة الإحباط والغضب الشعبي بسبب الفقر السائد، فيضطر حلف الأطلسي إلى زيادة عدد قواته وإعادة النظر بخططه العسكرية لمواجهة تصاعد العداء للوجود الأجنبي.
وفي العراق وبعد مرور أربع سنوات على الاحتلال لم تشهد الساحة العراقية غير تردٍ مستمر في الوضع الأمني و تردٍ مستمر في مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة وزيادة مطردة في حجم الهجرة إلى دول الجوار طلباً للنجاة رغم عدم توافر القدرات على مواجهة تكاليف الحياة في الخارج لأغلبية المهاجرين.
ولم تجد الولايات المتحدة وسيلة لمواجهة ذلك سوى زيادة عدد قواتها العاملة في العراق على الرغم من المعارضة الشديدة التي تواجهها في الداخل. وفشل الإسرائيليون في تحقيق أهدافهم في فلسطين على مدى عدة عقود منذ هزيمة الجيوش العربية في حرب الخامس من يونيو عام 1967، و فشلوا في لي ذراع اللبنانيين الذين رغم التدمير الهائل الذي لحق بإقتصادهم في حرب يوليو من العام الماضي، إلا أن عودهم اليوم ليس أقل صلابة مما كان عليه أبان تلك الحرب، ولا أحد يراهن على مستقبل المشروع الذي يجري تنفيذه في الصومال إثر الاحتلال الأثيوبي.
تتكرر أمامنا مشاهد الجيوش المنتصرة المنتفخة الأوداج، قوات حلف الأطلسي التي تتبختر في أفغانستان، الجيش الأميركي المحصن ضد أية مساءلة قانونية مهما ارتكب أفراده من موبقات في العراق، الجيش الإسرائيلي الذي تسحق دباباته من تشاء في شوارع المدن الفلسطينية وتعربد طائراته في الأجواء اللبنانية، الجيش الأثيوبي في الصومال يسقط حكومة ليأتي بأخرى. جيوش حققت انتصارات عسكرية كاسحة وهزمت المقابل بمنتهى السهولة، وترتب على انتصاراتها استحقاقات سياسية تعيد ترتيب الأوراق الاقتصادية عبر اتفاقيات جديدة تعكس مقدار التراجع في الخيارات الوطنية للدول المحتلة لصالح الدول التي احتلتها.
في سياق الحديث عن النصر لنا أن نتساءل حول ما إذا كانت هذه الجيوش قد حققت فعلاً انتصارات حقيقية تطمئن إلى ديمومتها أم صنعت سراباً لا يلبث أن يزول؟ في عواصم الدول المحتلة وعلى مسافة بعيدة جداً، في العاصمة الأميركية واشنطن، يدعي سياسيون كبار ويصرح قادة عسكريون ويردد دبلوماسيون مخضرمون مقاطع معزوفة تخدش الأسماع بنشازها، يرددون بأن هنالك خططاً إستراتيجية لتحقيق النصر، وهنالك خطط أمنية تعيد الطمأنينة لمن ترك داره أو منطقته أو مدينته ليعود إليها قريباً.
والنصر الذي يتحدث عنه هؤلاء لا يتعدى السعي نحو تعزيز سلطة الحكومة التي تحتمي بقوات الاحتلال وليس غير ذلك، متناسين بأن من يمتلك معدات التدمير فقط للحوار مع الآخر لا يمتلك ما يؤهله لتحقيق النصر، فالذي ينتمي لمعسكر القوة التي تسحق الإنسان لا تطال قامته قامة من يصنع السلم انتصاراً للإنسان.
يتشابه السيناريو في معظم الحالات، يتم التدخل العسكري بذرائع شتى في هذا المكان أو ذاك، وتسهم الماكينة الإعلامية والأنشطة الدبلوماسية في إنجاز المهمة العسكرية هذه بأقل قدر من سخط الرأي العام العالمي، تنتهي الحرب في فترة زمنية قياسية و يتبنى مجلس الأمن الدولي صيغة قرار يصبح لقوات الاحتلال، في ضوئه، وجود شرعي.
عندها تنبري بعض الدول لتعقد مؤتمراً دولياً يحمل مسمى مؤتمر الدول المانحة يصدر في ختامه بيان يرسم صورة جميلة لما سوف تحدثه بلايين الدولارات التي وعد هؤلاء بمنحها لإعادة إعمار البلد المحتل، يبتسم رئيس الدولة الجديد مرتبكاً أمام كرم هؤلاء، ويتطلع إلى اليوم الذي سوف يستلم فيه هذه المنح، ويوجه الشكر للدول المانحة و للدولة المحتلة مثمناً دور قواتها.
تمر بضعة شهور يبدأ بعدها خبراء البنك الدولي في الوصول إلى هذا البلد المنكوب وينشغل واضعو سياسات صندوق النقد الدولي في وضع السيناريوهات لربط اقتصاده بماكينة الاقتصاد العالمي بطريقة لا تمكنه من الخلاص حيث تُرتهن ثرواته وتُقيد إرادته بالقروض المقدمة التي تفرض عليه الاستماع إلى املاءات الصندوق كشرط لا يمكن تجاوزه لتقديم القروض، ومع مرور الزمن نرى أن لا شيء قد تحقق على أرض الواقع.
هنالك حاجة ليس للبحث عن نصر عسكري في هذه البلدان بل للبحث عن فرص لكسب السلم، فالاستقرار فيها يتحقق فقط حين يزدهر الاقتصاد وتتوافر فرص العمل لجيوش العاطلين وتخضر الحقول بالمحاصيل الزراعية وتدور دواليب المصانع بسرعة تعويضاً عن الزمن الذي أهدر، وتزدهر السياحة ويتطور قطاع الخدمات ويعود الطالب لمدرسته ويجد الطبيب فرصته لأداء واجبه الإنساني اتجاه الأعداد الهائلة من الذين حرموا من الخدمات الصحية، وترتسم ابتسامات الأمل على شفاه الأطفال، وبدون ذلك يتحول أي نصر عسكري إلى رماد تذروه الرياح.
هنالك من يروج للاحتلال الأميركي بالقول ان الدولة المحتلة تعمل على إعادة بناء البلد المحتل بكفاءة عالية جداً، والدليل الذي يُسوق في هذا الصدد هو ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية حيث أعيد بناء أوروبا وفق مشروع مارشال. إلا أن هؤلاء يتناسون إن الدول التي أعيد إعمارها هي أصلاً دول متطورة اقتصاديا وعلمياً وتكنولوجياً، ومتطورة كذلك في ممارساتها السياسية، إذ أن الحزب النازي الألماني نفسه قد صعد إلى سدة الحكم في عام 1933 عن طريق صناديق الاقتراع.
كما أن مشروع مارشال لم يكن مشروعاً خيرياً صرفت فيه الولايات المتحدة ما قدره 29 بليون دولار، أي ما يساوي تقريباً 29 تريليون دولار في الوقت الحالي آخذين بنظر الاعتبار معدلات التضخم خلال الستة عقود الماضية. فمن يقلب صفحات التاريخ سوف يطلع على حقيقة الدوافع وراء ذلك المشروع.
فقد انتهت الحرب العالمية الثانية في أوربا في الثامن من مايو من عام 1945 حسب ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، أما مشروع إعادة إعمار أوروبا فقد اقترحه جورج مارشال في عام 1947 ودخل مرحلة التنفيذ عام 1948 بعد أن توصلت الولايات المتحدة إلى القناعة بأن الخراب الذي حل بوسط أوروبا وخاصة في ألمانيا وسيادة الفوضى والفقر فيها قد يدفعها إلى الوقوع لقمة سائغة بيد المعسكر الاشتراكي الفتي الذي بدأ بمد نفوذه نحو الغرب. لقد صرفت الولايات المتحدة مبالغ طائلة في أوروبا واليابان مخافة زحف الشيوعية إليها بسبب الفقر والدمار الذي لحق بهما خلال سنوات الحرب.
فهل ترى الولايات المتحدة في التنظيمات الأصولية، مثل تنظيم القاعدة، خصماً حقيقياً ينازلها لانتزاع الهيمنة منها في الشرق الأوسط مستغلاً حالة الفقر والفوضى السائدة في الدول المحتلة ؟ إن واقع الحال لا يشير إلى ذلك، فليست هنالك رغبة حقيقية لدى الولايات المتحدة لإعادة إعمار الدول التي احتلتها وأسهمت في تخريب وتدمير اقتصادياتها، مما يعزز الانطباع بأن التلويح بمخاطر هذا التنظيم ليس سوى أداة تبرر الزيادة المستمرة في ميزانية البنتاغون لضمان بقاء النظام العالمي، ذي القطب الواحد، الذي انبثق بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن المنصرم.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae