في الذكرى الرابعة لغزو العراق اندلعت مظاهرات حاشدة في الولايات المتحدة وأوروبا تندد بالحرب وتطالب بانسحاب القوات الأجنبية من العراق ووقف حمامات الدم هناك، وشاركت في هذه المظاهرات أعداد هائلة قدّرتها بعض المصادر بما يقارب المليون، بالطبع كلهم أميركان وأوروبيون.

ومنذ أيام قليلة كانت المظاهرات تطارد الرئيس الأميركي بوش في كل مكان يصل إليه في جولته في دول أميركا اللاتينية وكلها ترفع شعارات رفض الحرب في العراق، ومن قبلها استقبلته نفس المظاهرات في باكستان والهند، ونفس المظاهرات كانت في انتظار أعضاء الإدارة الأميركية ورئيس الحكومة البريطانية توني بلير أينما حلوا، وعلى مدى السنوات الأربع الماضية والغضب الشعبي العارم والحاد يجتاح كل أنحاء العالم تقريبا ماعدا الوطن العربي.

هل يستطيع أحد أن يتذكر على مدى السنوات الأربع الماضية مظاهرة واحدة قامت في دولة عربية تندد بما يحدث من مذابح وأنهار دم عربي في العراق ؟ أليست هذه مأساة كبرى أن يخرج الأجانب بالملايين في الشوارع من أجل العراق بينما العرب مغيبون أو غائبون تماما عن التفاعل مع هذه القضية، وكأن الدم ليس دمهم والوطن ليس وطنهم والقضية بعيدة عنهم، رغم أنهم جميعا من المحيط للخليج موجودون رغم أنفهم داخل المخطط الأميركي الذي بدأ بالعراق ليتشعب لغيره ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

لقد جرت انتخابات كثيرة على مستويات مختلفة في العديد من دول أوروبا والعالم، وكان العراق حاضرا في غالبية هذه الانتخابات، وتغيرت حكومات وطارت حكومات في الهواء، وتغيرت برلمانات دول عظمى بسبب العراق، بل تغيرت العديد من موازين القوى والعلاقات الدولية بسبب العراق، أما الشارع العربي فلا وجود له في القضية ولا وجود للقضية فيه، ترى هل السبب كما يقولون قمع السلطات والأنظمة الحاكمة؟ أم أن الشارع العربي راض تماما عن مواقف أنظمته تجاه ما يحدث في العراق ؟ أم أن هناك قضايا أخرى مشغول بها هذا الشارع ؟

قمع السلطات والأنظمة أمر مستبعد تماما في غياب العراق عن الشارع العربي، بدليل أن هذا الشارع شهد ومازال يشهد على مدى السنوات الأربع الماضية العديد من التظاهرات والفعاليات السياسية غالبيتها ضد سياسات بعض أنظمة الحكم في الداخل، وتقابل هذه التظاهرات بردود فعل قوية وعنيفة من السلطات، ولو كانت هذه التظاهرات من أجل العراق لما ووجهت من السلطات بردود الفعل القوية هذه، بل ربما كانت تساعد هذه التظاهرات الأنظمة الحاكمة نفسها في اتخاذ مواقف أكثر فاعلية وإيجابية تجاه العراق وضد السياسات الأميركية هناك وفي المنطقة كلها.

الشارع العربي مغلق تماما على قضايا غاية في المحلية وربما الخصوصية أيضا، وتقود الحركة السياسية فيه نخبة جاثمة عليه وتحتكره منذ سنوات وعقود أطول من سنوات حكم بعض الأنظمة العربية الحاكمة نفسها، هذه النخبة كانت منذ عقدين من الزمان قبل اختراع الفضائيات والهاتف المحمول تخرج في الشارع في إحدى المدن فتخرج وراءها الجماهير في باقي المدن، والآن تتجمع في ميدان صغير في وسط العاصمة وتمر عليها الناس في طريقها لعملها تتساءل ( لماذا هم متظاهرون وماذا يريدون وماذا يقولون ؟).

هذه النخبة انفصلت عن قواعدها الشعبية وقضايا شعوبها الحقيقية من جوع وفقر وبطالة ومرض وغيرها وذهبت تتنافس على المقاعد وتصارع السلطات وتتزاحم أمام كاميرات الفضائيات، فانفصلت عنها الجماهير وتركتها في النهار وهي تعلم أنها ستشاهدها على الشاشات الصغيرة في المساء.

الشارع العربي في كل المدن والقرى من المحيط للخليج يتألم أكثر بكثير من الشعوب الأخرى لما يحدث في العراق، لكنه لا يجد القنوات التنظيمية التي يعبر من خلالها عن آلامه ومشاعره تجاه أشقائه في العراق، وقد شاهدنا عام 2000 كيف خرج هذا الشارع من المحيط للخليج معبرا عن غضبه العارم لاغتيال الطفل الفلسطيني محمد الدرة، أما الآن وقد شغلت النخبة الساحة بقضاياها الخاصة وصراعاتها مع الأنظمة وتركت قضايا الشارع وقضايا الأمة فقد أغلق الشارع العربي أبوابه في انتظار التعديلات وتركها وحدها معزولة تكفيها الفضائيات.

elmoghazy@hotmail.com