ظلت المعارضة المصرية تطالب على مدى عقود بتغيير الدستور طلبا للمزيد من الحريات، ولفتح الباب أمام تداول السلطة الذي أغلق عمليا منذ ثورة يوليو 1952، وظلت الحكومة هي الطرف الذي يرفض ويرفض، باعتبار أن تغيير الدستور ليس لعبة، لذلك احتار المصريون في فهم الدوافع المختبئة خلف تغيير 34 مادة دستورية في هذا التوقيت تحديدا..
لكن صياغة التعديلات كشفت عن هذه الدوافع، وأولها سحب الإشراف على الانتخابات من القضاء وإيكالها إلى لجنة تشكل خصيصا للإشراف على الانتخابات، وتتمتع بحصانة ضد الطعن في قراراتها.. ومن الواضح أن تعديل المادة مثل امتداداً لأزمة الحكومة مع القضاة والتي استمرت شهورا طويلة..
إذ أن واقع الحال كان يشير إلى سند دستوري لمطالب القضاة، فلماذا لا يسحب النظام هذا السند ظنا منه أنه بذلك يلغي الذرائع القانونية لحركة القضاة ويظهرها على حقيقتها كاحتجاج سياسي من السهل إخماده ومحاسبة من يتصدون لقيادته.
ثاني التعديلات الجوهرية تمثل في منح الأمن سلطات وصلاحيات دستورية لم تكن مخولة له في اي عصر سابق، رغم كثرة وصف العصور السابقة بأنها عصور الدولة البوليسية، فمن حق الأجهزة الأمنية وفق المادة 179 انتهاك خصوصية المصريين ومراقبة هواتفهم وبريدهم الإلكتروني ومداهمة منازلهم دون إذن قضائي والذريعة جاهزة هي مكافحة الإرهاب، ومن كثرة تغول النص الجديد في انتهاك الحرمات الخاصة وصفه البعض بأنه ألعن من قانون الطوارئ، هذا فضلا عن أن الطوارئ مهما طال زمن فرضها فهي تمثل حالة مؤقتة أما الدستور فيفترض أنه يرتب وضعا دائما.
وربما كان هناك من يتفاءل بأن التعديلات يمكن أن تطال عدد مرات الترشح لرئاسة الجمهورية، أو فتح المجال لترشيح أفراد مستقلين بعيدا عن الأحزاب الهشة الموجودة في الواقع المصري لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
وتذكر التعديلات الجديدة بقول الرئيس المصري السابق أنور السادات بأن الديمقراطية لها أظافر وأنياب، والحقيقة أن الديمقراطية براء من ذلك فالدولة المصرية هي ما ينطبق عليها هذا الوصف، وهاهي تجعل حتى الدستور نفسه الذي كانت المعارضة تلجأ اليه في الملمات ظفرا طويلا تغرسه في جسد من تسول له نفسه أن يقف في وجه السلطة.
ورغم حالة الاحتجاج الشديدة والغليان التي تبدت في مجلس الشعب إلا أن المعارضة الموجودة في المجلس ليست على مستوى الحدث، فحرص أعضائها على مقاعدهم في البرلمان ضيع ما كان يمكن أن يعتبر احتجاجا تاريخيا غير مسبوق..
فأحد الاقتراحات طالب باستقالة جماعية يقدمها أكثر من مئة نائب. ولو تم الأخذ به لوجدت الحكومة نفسها في مأزق غير مسبوق، إذ انه كان كفيلا بإظهارها كحكومة معزولة ذات لون واحد، وهو ما كان يمكن أن يثير ضدها قطاعا كبيرا من الشارع المصري فضلا عن الضغوط الغربية التي كان يتوقع أن تعقب مثل هذه الخطوة الشجاعة.
الأخطر من هذه التعديلات هو ما بين السطور.. إذ تكسح التعديلات الألغام التي كان يمكن أن تنفجر وقت انتقال السلطة مستقبلاً، كما تؤكد أن السلطة ماضية في فرض سطوة الدولة البوليسية شاء من شاء وأبى من أبى، وبهذه السطوة يمكن أن يصعد الأمن بأي مرشح إلى مقعد الرئاسة حتى لو لم ينجح في انتخابات على مستوى بيته.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن الدستور المصري كان يمثل الجبل الذي يستند إليه الشعب على خلاف دساتير أغلب البلدان العربية، لكن التعديلات الأخيرة تمثل ردة كبيرة عن مكتسبات فاخر بها المصريون، ومع ذلك لم تمنع السلطة من التغول عليهم، وبينما تعيش بعض الدول العربية انفتاحا سياسيا بعدما كانت منغلقة كما هو الحال في موريتانيا ودول خليجية عدة نجد مصر المنفتحة تتطلع إلى أن تصبح أكثر شمولية وأن يعلو صوت الأمن فيها فوق كل صوت.
ومن عجب أن هذا الارتداد إلى الوراء يحظى بمباركة أميركية، فواشنطن وعت درس حماس ولا تريد أن تصحو يوما لتجد المعارضة المصرية - وأغلبها معاد للطموحات الأميركية في المنطقة - قد صعدت إلى سدة السلطة، وأطاحت بحلفائها إلى خانة المعارضة.
لكن كثيرا ما ينقلب السحر على الساحر.
magdishendi@hotmail.com