يثير اللغط الدائر حاليا بين الجزائر والولايات المتحدة حول إنشاء الأولى قواعد عسكرية على أراضى الثانية وهو ما نفاه المسؤولون الجزائريون بحسم، تساؤلات حول هل هناك استراتيجية أميركية جديدة في منطقة شمال إفريقيا، وهى وفقاً لمراقبين متعددين تتطلب التواجد المباشر بعدما كانت الاستراتيجية الأميركية في السابق جماعية وتترك التواجد المباشر في منطقة شمال أفريقيا لدول أوروبية على رأسها فرنسا وللأخيرة مصالح مباشرة في المنطقة.
ويقول أنصار هذا الرأي إن هناك مؤشرات متعددة تؤكد هذا الرأي في مقدمتها إن الحرب الأميركية ضد الإرهاب استدعت هذه الاستراتيجية خاصة وان تنظيم القاعدة الإسلامي الذي تخوض الولايات المتحدة الحرب ضده له تواجد مكثف ومعلن في هذه المنطقة.
أما ثاني المؤشرات فهو إن نهاية الحرب الباردة وبالتالي زوال الخطر السوفييتي أدى إلى مرونة في تبنى نظام أمنى كوني موحد للدول الغربية وبرزت تنافسات بين الولايات المتحدة وحلفائها في أكثر من منطقة حول مناطق النفوذ وكانت ابرز هذه التنافسات في إفريقيا وعلى الأخص بين الولايات المتحدة وفرنسا وهذه التنافسات بدت في أكثر من حرب أهلية إفريقية.
وثالث المؤشرات يبدو من الدور المباشر الذي تحاول الولايات المتحدة ان تلعبه في أكثر من قضية محلية في المنطقة مثل المسألة الصحراوية وعلاقاتها المتميزة بالنظام السابق في موريتانيا وتعاونها الأمني مع الجزائر في مواجهة كل من الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي غيرت اسمها إلى تنظيم قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي والجماعة الإسلامية المسلحة، وهو ما بدا في عملية متابعة احد ابرز القيادات الذي تم القبض عليه في النيجر وكانت الولايات المتحدة على الخط في العملية.
والنموذج الأساسي لتعامل الولايات المتحدة مع دول المغرب يتمثل في الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد وزار خلالها كل من تونس والجزائر والمغرب في الفترة الواقعة ما بين 11 و13 فبراير من العام الماضي، أي بمعدل يوم لكل بلد، وذلك في طريق عودته من اجتماع عقده وزراء دفاع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في جزيرة صقلية. قبل ذلك بأيام قليلة قام روبرت مولر رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي بجولة «بوليسية» تفقدية على كل من المغرب والجزائر.
وكان موضوع الإرهاب على رأس الاهتمامات الأميركية بعد 11 سبتمبر 2001، وهنالك اليوم وحدات خاصة من الدول المغاربية الثلاث، إضافة إلى موريتانيا، تشارك بالفعل إلى جانب القوات الأميركية في عمليتي «اكتيف انديفور» (في المتوسط،) و«فلنتلوك»، في الساحل والصحراء الأفريقية، في ملاحقة فلول الجماعات المسلحة، خاصة.
وأن الأميركيين قد اكتشفوا مؤخراً إن نحو ربع «الاستشهاديين» الذين كانوا يلتحقون بأبي مصعب الزرقاوي في العراق يأتون من الجزائر، مقابل خمسة في المئة يأتون من تونس والمغرب. وقد ذاقت كل أقطار المغرب العربي الطعم المرير للإرهاب. الجزائر على مدى عشر سنوات وأكثر، المغرب في هجوم الدار البيضاء في 16 مايو 2003، وتونس في اعتداء جربه، وموريتانيا في الغزوة الدموية التي تعرض لها مركز «لمغيطي» العسكري الصيف الماضي.
كما تم في عام 2002 تفكيك شبكة كانت تنوي تنفيذ عمليات في مضيق جبل طارق، وتلي ذلك عام 2004 توقيف الرجل الثاني في «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» عبد الرزاق البارا (المظلي) في تشاد، وتم تسليمه إلى الجزائر حيث يقبع في السجن حالياً. وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية ـ سي آي إي ـ قد قام بدوره قبل نحو عامين بجولة على المغرب والجزائر وتونس قابل خلالها زعماء الدول الثلاث.
ويرى جورج الراسي وهو من أهم المختصين في شؤون المغرب العربي إن الهم الأول للإدارة الأميركية حالياً هو ربط الساحة المغاربية والصحراوية بحلف الأطلسي. وهذا الأمر كرسه الاجتماع الأول بين وزراء دفاع البلدان الأعضاء في الحلف ونظرائهم في سبع دول هي مصر والأردن وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، إضافة إلى إسرائيل، وهو الاجتماع الذي عقد في صقلية أواسط شهر فبراير من العام الماضي .
وكان الهدف من وراء ذلك اللقاء الذي أدرج تحت عنوان «مسار الحوار المتوسطي»، هو توسيع المظلة الأمنية للأطلسي لتشمل بلدان الحوض الجنوبي للمتوسط، ما عدا ليبيا. وواقع الأمر إن ذلك «الحوار» بدأ منذ الاجتماع الذي عقد في مدريد عام 1994، وتطور إلى «مبادرة تعاون» أقرها قادة البلدان الأعضاء في الحلف الأطلسي خلال قمتهم المنعقدة في مدينة اسطنبول عام 2004 بحضور الرئيس الأميركي جورج بوش.
وقد أجرت قوات أميركية وأطلسية مناورات مشتركة مع قوات تسعة بلدان مغاربية وافريقية أواسط شهر يونيو 2005 استمرت عشرة أيام، بمشاركة وحدات من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا والنيجر ومالي والسنغال وتشاد ونيجيريا بقيادة الجنرال هولي سيلكمان قائد القوات الأميركية في أوروبا. وجاءت تلك المناورات بعد عشرة أيام على مهاجمة المركز العسكري في موريتانيا. وأدرجت في إطار خطة تدريبات مشتركة أطلق عليها اسم «المبادرة العابرة للصحراء لمكافحة الإرهاب» التي خصص لها الكونغرس 100 مليون دولار.
وكان أمين عام حلف شمال الأطلسي قد زار كلاً من تونس، في ابريل 2005، والجزائر في نوفمبر من العام نفسه، تمهيداً للنقلة النوعية الجديدة في العلاقات. بالموازاة مع ذلك يجري توطيد أواصر التعاون الثنائي على الصعيدين الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة من جهة، وكل دولة مغاربية على حدة من جهة أخرى.
فمع تونس هنالك برنامج تعاون عسكري يجري العمل به منذ العام 2004. والمغرب يسمح للقوات الأميركية بالتوقف في قواعده والتزود بالوقود. والجزائر استقبلت خمس وفود أميركية خلال الشهرين الأولين من هذا العام. وقد توطدت علاقاتها مع واشنطن منذ الزيارة التي قام بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى البيت الأبيض عام 2001.
وهذه الخطوات لها العديد من الدلالات وأولها ان الولايات المتحدة لم تتجاهل منطقة المغرب العربي بل أنها ضمتها إلى العديد من المنظومات الأمنية بما يعنى إن إعادة دمجها في مشروع الشرق الأوسط الكبير لم تعد واردة بل ان هذه المنظومات نفسها تتعارض مع منظومة الشرق الأوسط الجديد التي تسعى الولايات المتحدة إلى تأسيسها في المستقبل القريب.
وبالتالي فان الخيار المطروح سوف يكون إيجاد صيغة لتكامل المنظومات المتعددة التي تتماس جغرافيا مع بعضها البعض وعن طريق هذا التكامل تصبح هناك صيغة ما للربط بين منطقة المغرب العربي والنظام شرق الأوسطي الجديد الذي هو مازال في طور التأسيس.
ولان الولايات المتحدة تدرك انه لا يمكن تحقيق أهدافها في المغرب العربي وهى أهداف تتعلق بمحاصرة المنظمات الإسلامية التي تكن عداء لها، إلا بعد تحقيق تسوية للمسالة الصحراوية، فهي قامت بجهود في هذا الطريق، فعلى الرغم من أن المسألة الصحراوية قد اقترب عمرها من الثلاثين عاما، لم يتحقق خلالها أي تقدم يذكر على صعيد إيجاد حل سلمى لها، وخلال هذه الأعوام ظلت المشكلة تراوح مكانها.
ومصدرا من مصادر التوتر في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، الفوضى وعدم الاستقرار التي تسببها الأزمة الصحراوية في المنطقة تجعل الظروف مهيأة أمام القاعدة لكي تمارس عمليات من هناك او لكي تؤي عناصرها في المناطق الحدودية خاصة، وانه ليست هناك إمكانية للتنسيق الأمني بين دول المنطقة في ظل الخلافات فيما بينها حول المسألة الصحراوية.
ولابد من الإشارة إلى أن جهود الولايات المتحدة التي تمارس في هذا الخصوص تأتي من منطلق الصراع الخفي على النفوذ بينها وبين فرنسا ذلك أن منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا ظلت على الدوام منطقة نفوذ فرنسي، وبالتالي فإن فرنسا، نظرا لعلاقاتها التاريخية ووجودها الاستعماري تتحكم في العديد من خيوط لعبة الأمم في هذه المنطقة، تشاركها في هذا الأمر أسبانيا لنفس السبب، وأيضا لأنها كانت الدولة التي تحتل منطقة الصحراء قبل الجلاء عنها عام 1976.
وخلال السنوات الأخيرة بدأت الولايات المتحدة الأميركية محاولات لأن تمد نفوذها المباشر في هذه المنطقة بدلا من أن تمارس نفوذها بالوكالة عبر فرنسا وأسبانيا في إطار المعسكر الغربي. ولم تجد الولايات المتحدة وسيلة لبسط نفوذها في هذه المنطقة إلا بالتدخل بالوساطة بين الأطراف حول المسألة الصحراوية - سواء من داخل الأمم المتحدة عبر الوسيط الدولي جيمس ببكر الذي جمع الأطراف من قبل في هيوستن أو مباشرة من خلال اللقاءات غير المعلنة التي ترعاها حاليا.
وهى استكمال للقاءات أخرى تمت من قبل برعايتها. وخلاصة ما يمكن قوله هو ان هناك بالفعل إستراتيجية أميركية جديدة في منطقة المغرب العرب لكن ملامحها بدأت في التبلور منذ بداية العام الماضي وبالتالي فهي ليست وليدة اليوم حسبما يعتقد الكثيرون.
كاتب مصري