يتجنب الحكمة والمنطق من يربط خطياً بين الحركات أو القوى أو الأحزاب ذات المرجعيات والمسميات الدينية وبين مفاهيم ممجوجة مثل التشدد والتطرف والغلو والدوغمائية والانغلاق. فهذه المفاهيم المشبعة بالأحكام القيمية والمعيارية المسبقة، تتعارض مع تنوع هذه الحركات وتعدديتها الفكرية والسياسية، وذلك بغض النظر عن هويتها الأم يهودية كانت أم مسيحية أم إسلامية.

نجادل بهذا الاعتقاد وفي الخاطر خطاب حركة حماس وممارساتها كنموذج لاعتدال بعض القوى الإسلامية وعقلانيتها ومسايرتها للسياسة العملية. لقد تجلت آيات هذا التقدير قبل وصول حماس إلى مركز صناعة قرار السلطة الفلسطينية وبعده.. ذلك حين نأت بنفسها عن أطروحات القاعدة وابن لادن .

ولم تعمد لتكفير خصومها السياسيين في الداخل وحاورتهم للاندماج في النظام الفلسطيني بشروط يقبلها العقل السياسي المستقيم، ولم تمارس عملياتها المسلحة خارج فلسطين التاريخية، ولم يدع قادتها أحقية إصدار الفتاوى والأحكام الدينية والدنيوية.. ثم حين بادرت بدعوة شركائها في النظام إلى مشاركتها الحكم وهموم القضية الوطنية على الرغم من استحواذها على الأغلبية التشريعية الضامنة لتكوين حكومة السلطة منفردة. وهو ما يعني تبصرها لما يحيط بها من قيود وضوابط.

هذا الفهم حملنا على تقدير رديف هو أن لدى حماس قابلية للتفاوض والمساومة مع القوى المعنية بالتسوية الفلسطينية دون استثناء إسرائيل. وذلك أيضاً في إطار متطلبات ومعايير وضوابط مغايرة للتقاليد والسنن التي اشتقها المفاوض الفلسطيني سابقاً ولم تتأكد نجاعتها.. الأمر الذي أنكره عليها كثيرون وعجلوا برميها بكل نقيصة، محاولين عزلها، رغم اتساق سلوكها وفطرة التفاوض السليمة.

لم تكن قناعتنا هذه رجماً بالغيب وإنما استندت إلى قراءة متأنية للمؤشرات المذكورة بالتعامد مع محدد بالغ الفعالية في السيرة الذاتية للسياسة الفلسطينية. هو أن أية قوة فلسطينية تتطلع إلى الديمومة والانتشار والتأثير في مجرى الحركة الوطنية والنظام السياسي على الصعيد الفلسطيني، لابد لها من الظهير العربي ولن تكون حماس بدعاً من هذه القاعدة.

ولأن هذا الظهير اعتمد طريق السلام الاستراتيجي مع إسرائيل وفقاً لمبادرة قمة بيروت 2002 أولاً، ولم يعاكس شروط أو املاءات الرباعية الدولية وخريطة الطريق لقبول شراكة حماس في «عملية التسوية» ثانياً، وانصاع لحصار حماس وحكومتها وشعبها بلا مقاومة ولا تمنع ثالثاً، فقد تعين على هذه الحركة أن تتلاءم وسقف السياسة العربية العامة أو أن تغادر السلطة.

للحقيقة لم تيأس حماس بسرعة، بل اجتهدت للإفلات من هذه المعادلة بالاعتماد على الطاقة الشعبية الفلسطينية الجبارة للمقاومة وشد الأحزمة من جهة، وعلى معونة حلفاء إقليميين ومتعاطفين دوليين يقفون في الخنادق ذاتها ضد الاستقواء الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى..

وفي الوقت ذاته أبدت الحركة ميولاً لتعديل خطابها السياسي بما يقترب من نهر السياسة العربية العام ويداعب ما يعرف بالشرعية الدولية الفلسطينية بتعبيرات الأمم المتحدة وليس الرباعية الدولية. لكن بديل التنحي عن السلطة لم يجل بخاطرها.في كل حال، عاشت حماس وحكومتها عاماً صعباً بحيث تحركت علي حبل مشدود بين مطارق داخلية توشك أن توقعها في شباك الحرب الأهلية وبين سنادين خارجية قاسية.

وهي استبشرت بصدور قرار وزراء الخارجية العرب في نوفمبر الماضي بكسر الحصار عنها وعن شعبها، غير أنها سرعان ما تيقنت من ضيق حدود التمرد العربي على القيود الدولية المريرة، بعد انضمام هذا القرار لسوابقه من القرارات المهجورة عملياً. ومع ذلك لم يكن بوسعها المبادرة من تلقاء نفسها بالانحناء والانتقال إلى سياسات ومواقف تبدو معها وقد تخلت عن خطابها على نحو فجائي صادم للرأي العام الفلسطيني لا سيما جمهور ناخبيها.

هنا بالضبط جاءت المداخلات العربية كي ترفع الحرج عن حماس بذريعة مقبولة، هي انتشال الحالة الفلسطينية برمتها من أخطار محدقة بها داخلياَ وخارجيا. ومن حسن طالع حماس والفلسطينيين عموماً، أصحاب الأقدار العاثرة غالباً، أن ولد هدف الإجماع والتلاقي الوطني إلى حد معقول بين يدي المداخلة السعودية عبر تفاهمات مكة المكرمة، وأن هذه التفاهمات قوبلت بقبول عربي حسن يردفه استحسان إسلامي مشابه، وذلك كله على أعتاب قمة عربية تستضيفها الرياض.

فالمشهد والحال كذلك يعني أن كل المعنيين أصبحوا بصدد ائتلاف فلسطيني مشفوع بحكومة وحدة فلسطينية، تتوفر له تغطية عربية واضحة واصطفاف إسلامي محفوفان بتعاطف قوى دولية فاعلة. علينا أن لا نغفل في هذا السياق الغضب الروسي والتململ الأوروبي داخل «الرباعية الدولية» وخارجها من التعنت الأميركي الإسرائيلي والفتور تجاه خطوة مكة الفارقة فلسطينياً والتسرع في مجافاتها.

بصيغة أخرى، في غمرة هذه المستجدات والمعطيات المتزامنة ربما تكون حماس قد أفلتت من لعنة إعلام وسياسات التحريض عليها لعزلها بوصمة «التطرف والإرهاب». فالدأب على هكذا توصيف من لدن التحالف الأميركي الإسرائيلي وبطانته لن يشق طريقه بسهولة بعد ذلك، كونه سيعني الاستطراد إلى مجمل المجال السياسي الفلسطيني بالأصالة والمجالين العربي والإسلامي وبعض سياسات القوى الدولية المتعاطفة بالتبعية. وهكذا لن تكون هذه الحركة وحيدة بعد ذلك في مواجهة خصومها في الداخل والمتربصين بها في الخارج.

عندما تتبنى قمة الرياض تفاهمات مكة وحكومة الوحدة الوطنية التي نالت أول من أمس (السبت) ثقة المجلس التشريعي، سيتحقق للنظام الفلسطيني الشرطان اللذان لا غنى عنهما لإقلاعه وقضيته بقدر من المأمونية والسلامة: التوافق الفلسطيني والإسناد العربي. وسوف يمسي كل من يهمهم شأن التسوية الفلسطينية وتوابعها الإقليمية وجهاً لوجه أمام مبادرتين متعامدتين علي بعضهما: اتفاق مكة 2006 ومبادرة بيروت 2002.

وإذا كان اتفاق مكة قد ألقى الكرة في ملعب القمة العربية فان على هذه القمة أن تبحر بالمبادرتين معاً في المحيط الدولي. وذلك مع التشديد بأن قوى النظام العربي لن تصبر للأبد علي مرونتها إزاء العدوانية الإسرائيلية المعتمدة على الحليف الأميركي والميوعة الأوروبية.

ويفعل أصحاب القمة خيراً إن قرنوا موقفاً كهذا بالتلويح بأنهم ليسوا بلا خيارات بديلة، وأنهم لم يطوعوا حماس وبقية الشركاء الفلسطينيين لمنظورهم كي يطعموهم للشراهة الإسرائيلية وانما لتحقيق تسوية سلمية أكثر إرضاء لشعب أثير لديهم وبضعة من أمتهم.وبالمناسبة، يستطيع إعلام القمة التلميح من طرف خفي إلى أن حماس قد لا تلام إذا ما ارتدت إلى مهاوي التطرف حقيقة لا ادعاءً، في حال تقطعت بها السبل إلى الاعتدال.

كاتب وأكاديمي فلسطيني