هل انتهى بالفعل تاريخ صلاحية مبادئ «حقوق الإنسان»؟

لقد أصبحنا اليوم نتحدث عن «حقوق الإنسان» تماما كما نقول «صباح الخير»®®. دون أن نقصد بالفعل ما تعنيه هاتان الكلمتان، وأصبح البعض يتبجح بحقوق الإنسان بينما هو آخر من يطبق حقوق الإنسان لديه، وآخرون لا يكفون عن المطالبة بحقوق الحيوان بينما العالم بأسره لم يزل يعيش في العصر الجاهلي لحقوق الإنسان، ودول عظمى ديمقراطية على حسب قولها تعاملت مع جملة «حقوق الإنسان» السامية تماما كما تعامل اليونانيون مع «حصان طروادة»!

مجرد وسيلة لتحقيق مأرب مادي، ومع ذلك فهاتان الكلمتان: الحق ـ الإنسان، تمثل الأولى فيهما قمة المبادئ التي تقوم عليها كافة الأخلاق الأخرى، فبدون الحق لا تقوم للدنيا ولا لمن عليها قائمة، بينما الإنسان يمثل خليفة الله على الأرض و بدونه تصبح الحياة مجرد كوكب لا يحكمه أحد.

ومع ذلك تم تخصيص 90% من جهود البشرية منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا لهدف تحقيق المصلحة الذاتية الخاصة والمحدودة على حساب حقوق الآخرين العامة. بينما في حقيقة الأمر، وهي حقيقة مرة يحاول الكثيرون عدم النظر في عينها مباشرة، لا يوجد على كوكب الأرض ما هو ملك لأحد أو له حق مطلق فيه بدءا من ذرة الرمل إلى الإنسان نفسه، ثم أن هناك قاعدة عامة لحقوق الإنسان: وهي أن كلمة (إنسان) في العرف الدولي لا تميز بين الأجناس والألوان والدرجات واللغات والشعوب. ولا كذلك بين الإنسان الحر والإنسان المقيد. وأينما انتهكت حرية الإنسان أو حقوقه يجب معاقبة مرتكبها، ولكن يا ترى، هل هناك عدالة في تطبيق مبادئ (حقوق الإنسان)؟

لقد ظل التركيز في الآونة الأخيرة على بعض الدول الفقيرة أو ما يطلق عليها بشيء من التحفظ دول العالم الثالث، لتصبح هدفا لاتهامات انتهاك حقوق الإنسان، وظلت الدائرة تدور منذ تبني الأمم المتحدة لإعلان حقوق الإنسان عام 1948 حول دول الشرق الأوسط وأفريقيا والدول التي لا تساند أو لا تدور في فلك الدول المتقدمة صناعيا.

وحتى المنظمات التي أنشئت فيما بعد تحت عدة مسميات ومنها المنظمة الأميركية التي أطلقت على نفسها منظمة مراقبة حقوق الإنسان والتي بدأت نشاطها حوالي عام 1978 على سبيل المثال، لم تخرج عن هذا الخط. فنجد على صفحاتها مثلا أسماء لدول لامعة في مجال انتهاك حقوق الإنسان، كما تدعيه تلك المنظمة وكما تم تلقينه لنا على مدى سنين طويلة حتى تغاضينا عن غيرها، مثل: إيران، السعودية، السودان، الجزائر، مصر، نيجيريا. وهكذا أصبحت الشبهات تحوم حولنا منذ ولادتنا إلى حين وفاتنا.

نحن لا نقول ولا ندعي بأن حقوق الإنسان في دول العالم الثالث مصانة ومحفوظة، ولا نزيل التهمة عن أنفسنا، وكلنا متفقون على أن حرية الإنسان وحقوقه منتهكة ولو بنسب متفاوتة في مثل هذه الدول، والتي قد تصل إلى درجة التخلص من خصوم النظام بطرق شتى ومبتدعة.

والتي بدورها تتراوح بين إلقائهم في السجون المظلمة باتهامات مختلقة حتى يقضوا أجلهم، أو التخلص منهم نهائيا بطرق سرية دون ترك بصمة الجاني على المجني عليه. وإذا أردنا التحدث عن حقوق الإنسان في مجملها بدءا من حق الإنسان في العيش بكرامة، في التعليم، في الطعام والملبس، وفي العلاج إلى الحفاظ على تراثه وقيمه فإننا لا شك سنكون على رأس القائمة في مسألة انتهاك حقوق الإنسان.

غير أننا نرى أن حياة الإنسان، ككائن بشري له حق الحياة والتنعم بحقه في الهواء والشمس منذ ولادته إلى أن يقبض الله روحه يأتي في كفة، وتوفير سبل الحياة الكريمة كلها تأتي في كفة أخرى. فمتطلبات الحياة اليومية يمكن الاستغناء عنها مؤقتا وتعويضها لاحقا، إلا مسألة الحياة والموت. فحرمان كائن من حقه في حياة يوم واحد لا يمكن تعويضها له بأي ثمن كان. فكيف بنا إذا كانت المسألة تعني السجن المؤبد أو الإعدام؟!

إننا لا نتحدث هنا عن الأحكام القضائية التي تثبت فيها بالأدلة الدامغة جريمة الجاني المستحق للسجن أو الإعدام. ولكننا نشير إلى العدد الهائل من البشر الذين يلقى بهم في غياهب السجون دون محاكمة عادلة.. أو حتى في أضعف الحالات، معاملة المسيئين بطريقة لا إنسانية تجعل من مطبق القانون مجرما آخر!

إننا نعترف ونقر بأن كثيرا من دول العالم الثالث تصادر حقوق الإنسان على أراضيها، ولكن ماذا عن الدول المتقدمة التي تصادر نفس تلك الحقوق ولكن بطرق متطورة؟

اليوم هناك منظمات تتحدث (بخجل) عن انتهاك حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية، وتطالب الاتحاد الأوروبي ليصبح راعيا للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم بدلا من الولايات المتحدة التي أصبح مكانها فارغا. وإلى وقت قصير كانت هذه القوة العظمى يضرب بها المثل في ضمان حقوق الإنسان، ولم يتحدث احد وقتها عن العنصرية المنتشرة على أراضيها ضد السود ومن ثم المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر.

ولم يتحدث أحد عن المجازر التي ارتكبت قبل ذلك بحق الهنود الحمر وسكان أفريقيا الذين تم استعبادهم والفيتناميين الذين تم رشهم بالمواد الكيماوية الحارقة، وما نتج عنه من طمس لتاريخهم وعدم تعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم. فما هي الشروط التي يوفرها الاتحاد الأوروبي اليوم لكي يصبح مؤهلاً أفضل من الولايات المتحدة الأميركية لترعى حقوق الإنسان؟

إن النزاهة والعدل هما أساس الملك، كما يقال. فهل الاتحاد الأوروبي منزه وعادل حتى يصبح راعيا لحقوق الإنسان؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لا يتحدث (نحن لا نطالب أكثر من حديث) هذا الاتحاد عن الحقوق الإنسانية المسلوبة للفلسطينيين على يد الإسرائيليين منذ أكثر من ستين عاما؟ ولماذا ظل يدعم إسرائيل بالأسلحة والمال والإعلام وهي التي ارتكبت من المجازر في وضح النهار بحق المدنيين والأطفال وكبار السن وحتى بالشجر والحيوان؟ ولماذا صمت الاتحاد الأوروبي عن ممارسات الاتحاد السوفييتي في الشيشان مثلا؟ أو عن مجازر البوسنة والهرسك؟

أو عن أطفال قانا الذين قضوا تحت قصف القنابل الكيماوية التي ألقتها الطائرات الحربية الإسرائيلية على ملاجئهم؟ وكلها أحداث للأسف الشديد حصلت قريبا جدا عندما كان الإعلام في أوج نشاطه وتطوره وكان سياسيو ومثقفو ومحامو ذلك الاتحاد الأوربي يقرأون ويسمعون ويشاهدون بأم أعينهم ما يجري هناك؟ ترى ما هي حقوق المغتربين في أوروبا دينيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؟

إن واحدة من أهم مبادئ حقوق الإنسان حريته في معتقده ودينه ومذهبه وملته. فهل نجرؤ أن نعتبر فرنسا تطبق مبادئ حقوق الإنسان عندما تمنع فتاة ما من وضع حجاب على رأسها لأن دينها وعقيدتها وتقاليدها فرضت عليها بذلك، و إلا فإن مصيرها حرمانها من التعليم؟ هل يعرف العالم بأن مبادئ حقوق الإنسان قد تم تبنيها في فرنسا من قبل الجمعية الوطنية عام 1789؟

وإذا كان العالم الحر يعتبر إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، فهل لديه ما يبرر ممارسات إسرائيل ليس فقط على الفلسطينيين بل حتى على اليهود السود الذين تم جلبهم من أفريقيا؟ ألا يتم استخدام هؤلاء لحماية أو لخدمة اليهود البيض؟

ألا يتم استعباد الفلسطينيين ليل نهار مقابل بعض الأجور التي بالكاد تسد رمقهم؟ ألا تمنع إسرائيل كل ما من شأنه تطوير الوضع الصحي والبيئي والتعليمي للفلسطينيين؟ هل لدى الاتحاد الأوروبي لائحة بعدد المعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين في سجونها وفي معتقلاتها وعن أعمارهم وعن بقائهم دون محاكمة ودون تهمة وعن أشكال التعذيب التي يمارسونها عليهم؟

هل يقبل الشعب الأوروبي بأن تضع امرأة بريطانية مولودها في السجن ويبقى في السجن معها دون ذنب اقترفته يداه، كما تفعل إسرائيل مع النساء الفلسطينيات؟ فكيف يضج ويحتج الاتحاد الأوروبي على الفلسطينيين أو اللبنانيين مقابل أسر جندي أو جنديين إسرائيليين (وليس مدنيين)؟ ويطلق العنان لإسرائيل بارتكاب شتى المجازر لأجل استرداد هذين الجنديين فقط لا غير؟

إن حقوق الإنسان ذهبت أبعد من ذلك بكثير.. فقد استخدمت هذه المبادئ السامية جدا لتحقيق أهداف واطئة جدا. فقد تم غزو العراق على أساس مبادئ حقوق الإنسان وتحرير الشعب العراقي من ظلم الحاكم السابق الذي لم يكن يراعي أدنى الحقوق الإنسانية في حق شعبه! وإذا بنا نكتشف اللعبة.

فكانت حقوق الإنسان هي سرقة النفط العراقي وتحميله إلى مصانع الدول الغربية. وكانت حقوق الإنسان ما رأيناه من أشكال التعذيب والاغتصاب في سجن أبو غريب وسجون العراق الأخرى على يد قوات الاحتلال.. وفي حق المدنيين العزل لمجرد الاشتباه فيهم وأحيانا كثيرة دون اشتباه ودون جرم ودون ذنب إلا أنهم وقعوا ضحية خدعة حقوق الإنسان التي طالما انتظروها وما زالوا... وعلى رأس هؤلاء: معتقلو غوانتنامو، وللأسف لا نجد لكل ذلك إشارة صريحة وجريئة في مطالبات بعض المنظمات بتطبيق حقوق الإنسان.

وإذا كان العالم الغربي يرى أنه واضع مبادئ حقوق الإنسان ويحق له ما لا يحق لغيره، فما عليه سوى العودة إلى 2050 سنة للوراء... إلى بلاد ما بين النهرين، حيث وضعت أول مبادئ حقوق الإنسان وحيث تنتهك اليوم أبسط مبادئ حقوق الإنسان على يد جنود الاحتلال: الأميركي والبريطاني وعلى مرأى من أعين العالم بأسره.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com