تطور استخدام الطاقة وتنوع مصادرها في المرحلة الراهنة كان لابد وأن يقود إلى تغييرات في نوعية مصادرها، وقد أصبح واضحا خلال السنوات الأخيرة أن الطاقة النووية أصبحت بديلا واقعيا للنفط والغاز كمصادر للطاقة المستخدمة في توليد الكهرباء وإدارة وتشغيل مختلف القطاعات الصناعية.

وبدأت العديد من دول العالم تتجه لبناء محطات توليد الطاقة الكهروذرية. ولا تعتبر إيران من أوائل الدول، اذا سبقتها الهند وباكستان ودول في آسيا وأميركا اللاتينية للاستفادة من الطاقة النووية في تطوير اقتصادياتها.

وكان من الطبيعي أن يشهد سوق الطاقة الذرية تنافسا حادا بين كبار مورديها على تنامي الطلب من جانب مختلف الدول. ونظرا لازدياد الطلب على معدات توليد الكهرباء، فلم يكن مصادفة ان تحاول شركة «سيمنس» الألمانية شراء حزمة الأسهم القابضة في إحدى الشركات الروسية المصنعة لتوربينات توليد الكهرباء.

وفى هذا السياق أدركت وكالة الطاقة الذرية الروسية هذا الواقع الجديد، وبدأت تتحرك نحو تكوين شركة قابضة بأشراف الدولة تضم كافة مؤسسات صناعة الطاقة النووية الروسية. ويأتي إعلان بنك «غاز بروم»، عن طرح أسهم شركة تدير عدد من مؤسسات أنتاج المعدات وآليات تشييد محطات توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الذرية في أسواق المال، كخطوة أولى في أطار تأسيس هذا الشركة القابضة.

ويمكن القول أن الحكومة الروسية قد بدأت تنفيذ خطتها منذ عام بالتعاون مع احتكار (غاز بروم) الذي يسيطر على قطاع الغاز الروسي، وباعتبار أن(غاز بروم) تمتلك بعض المصانع التي تنتج معدات تشييد المحطات الكهروذرية.

وقد قامت أدارة (غاز بروم) بشراء حصة مهيمنة من أسهم شركة «اتوم ستروي اكسبورت» التي تقوم بتصدير المعدات المطلوبة لمحطات توليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية من إنتاج روسيا إلى الخارج عام 2004، ووفق خطة الحكومة الروسية يجب ان تضم الشركة القابضة المزمع إنشاؤها والتي قد تحمل اسم «اتوم بروم» كافة مؤسسات صناعة الطاقة النووية بدءا بمنشآت استخراج اليورانيوم وانتهاء بمنشآت معالجة نفايات المحطات الكهروذرية.

وتفيد مصادر رسمية من الأوساط الحكومية بأن وكالة الطاقة الذرية ستقدم10%من الاعتمادات المخصصة لتمويل المشروع والتي يقدر حجمها بما يعادل 60 مليار دولار أميركي، إلى هذه المصانع التي تتخصص في تصنيع هياكل المفاعلات النووية.

ويراهن المنافسون على التأثير السلبى لبعض الحوادث المأساوية التى شهدها قطاع الطاقة الذرية الروسي، نتذكر منها حادثة تشيرنوبيل في عام 1986 خلال العهد السوفيتي، والتي ألحقت ضررا كبيرا بسمعة روسيا في مجال الطاقة الذرية، إلا أن المؤسسات الروسية تمكنت من تجاوز مخلفات حادث تشيرنوبيل وبدأت تحقق نتائج مهمة في تطوير الطاقة الذرية.

وكانت الحكومة الروسية منذ بداية عام 2003 قد بدأت في تنفيذ خطة لتطوير قطاع الطاقة الذرية، باعتباره عاملا أساسيا من عوامل الاستقرار وحماية البلاد من أزمات الطاقة المتوقعة، بالإضافة لقناعة القيادة الروسية بأنه لا يوجد حاليا أي بديل للطاقة الذرية السلمية من ناحية الجدوى الاقتصادية والنظافة البيئية بالنسبة لتطور الحضارة الإنسانية.

ويصل أنتاج محطات الكهروذرية الروسية إلى ما يزيد عن 150 مليار كيلوواط / ساعة سنويا، وهو مؤشر متواضع لأنه لا يشكل أكثر من 16 % من مجموع الطاقة الكهربائية المنتجة في البلاد.، في حين تأتي الكمية الأخرى من محطات الطاقة الكهرومائية والحرارية. ومن المعروف أن روسيا تخطط لإنتاج 230 مليار كيلوواط/ ساعة من الكهرباء سنويا في بداية عام 2020، وتتطلب هذه الخطة بناء 10 مفاعلات نووية جديدة.

وقد شهد قطاع الطاقة الذرية العديد من التغييرات الجذرية، إلى أن استقر حاليا تحت اشراف الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية التي تضم 100 مؤسسة عاملة في هذا المجال في مختلف مناطق روسيا.، ويعمل في مؤسسات الوكالة الفيدرالية للطاقة الذرية 335 ألف شخص في مجالات التنقيب عن اليورانيوم وإنتاجه إلى جانب المواد النووية الأخرى ومعالجتها، وتخصيب اليورانيوم، وتصنيع الوقود النووي.

كما تتولى الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية بناء المحطات الكهروذرية وتزويد المفاعلات بالوقود النووي وسحبه منها بعد استخدامه ومعالجته كيميائيا، وحفظ المواد المشعة والنفايات النووية.، وتقوم الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية بنشاط كبير في مجال التصدير وبناء المفاعلات النووية في بعض البلدان، بما فيها الهند والصين وإيران.

كما تتولى الوكالة تصدير الوقود النووي إلى محطات الطاقة الكهروذرية في بلدان أوروبا الشرقية والغربية وبلدان رابطة الدول المستقلة،وكذلك خدمات تخصيب اليورانيوم. وينص قانون الطاقة الذرية الروسي على أن تكون جميع المواد والمعدات والأجهزة والمؤسسات النووية ملكا للدولة بشكل كامل.إلا أن الوكالة تمارس نشاطها في ظل قوانين اقتصاد السوق مع شركات القطاع الخاص في العديد من المجالات.

حيث تقوم شركة «سيلوفيه ماشيني» الخاصة بإنتاج المعدات والأجهزة الثقيلة للمحطات الكهروذرية. كما تعمل في منظومة الوكالة شركتان مساهمتان، هما مؤسسة «تفيل» التي تقوم بعمليات تجميع الوقود للمحطات الكهروذرية، وشركة «تيخ سناب اكسبورت» التي تتولى عمليات تصدير المواد المخصصة للاستخدام في المحطات الكهروذرية.

ويحرص الخبراء في مؤسسات انتاج الطاقة الذرية على التذكير بقدرات هذا القطاع النوعية والمتميزة، من خلال الإشارة إلى الأسلحة النووية الروسية التي ضمنت التكافؤ النووي ودعمت السلام في العالم لأكثر من 60 عاما، والمنشآت النووية التى شيدتها الشركات الروسية في عدد من دول الفراغ السوفيتى السابق، ومدى فاعليتها، للتأكيد على النوعية المتميزة لمنتجات القطاع النووى الروسى.

إلا أن خطط الحكومة المستقبلية لهذا القطاع،وان كانت تسير نحو زيادة صادرات روسيا، وتوسيع نفوذها الأقتصادي ـ تنفذ تحت مظلة الدولة كما هو الحال في قطاع الغاز والنفط، وهو ما يطرح تساؤل، حول مصير اقتصاد السوق الحر، والأسس التي يمكن ان تعمل وفقها رؤوس الأموال الخاصة والأستثمارات الروسية والأجنبية في هذه المجالات الأقتصادية الواعدة؟ ولابد من القول إن هذا الأسلوب يلعب دوراً طارداً وليس جاذبا للإستثمارات التى تخشى الوقوع تحت هيمنة الدولة.

مركز دراسات الطاقة - روسيا