الاحتلال ليس هو أسوأ ما حدث للعراق منذ الغزو الغاشم في مارس 2003 وحتى سقوط بغداد في 9 إبريل من العام نفسه. قد يستعجب البعض ذلك، ولكنها وجهة نظري، وتفصيلها كالتالي: الاحتلال شيء بغيض لا شك في ذلك، وهو سبب كل المصائب التي حدثت في العراق لاحقاً.. لكن الحقيقة المؤكدة للجميع بما فيهم الغزاة أنفسهم أن الاحتلال سينتهي إن آجلاً أو عاجلاً، وسيتم طرده ودحره اليوم أو غداً، ويبدو أن لحظة رحيله قد حانت بالفعل.
الأسوأ من الاحتلال هو الحرب الأهلية أو الصراع السني الشيعي، ثم الصراع العرقي العربي الكردي.. سيقول قائل إن الاحتلال نفسه هو سبب تفجير هذا الصراع الطائفي، كي يضمن سبباً دائماً ومستمراً يبرر بقاءه في العراق.. هذا القول صحيح تماماً، وربما سيكشف لنا التاريخ قريباً أو بعد فترة أن الاحتلال هو الذي اختلق عامداً هذا الصراع.
لكن عندما ينشب صراع طائفي في مكان ما لا أحد يكون مهتماً بمعرفة السبب، ومن هو المسؤول.. فمثل هذه الصراعات اللعينة تمتلك آلة تعيد إنتاج نفسها دائماً بما يجعل الصراع مشتعلاً. من منّا الآن يشغل نفسه بمعرفة كيفية بدء الحرب الأهلية في لبنان عام 1975؟ نمر سريعاً على حادث البو ستة والعمال الفلسطينيين، لكننا نتذكر دائماً الحرب وتداعياتها المستمرة حتى الآن.
من منا يذكر سبب اندلاع العنف في دارفور.. هل هو الصراع على مناطق الرعي أو تدخل أجنبي..؟ لا فرق أو لا يهم.. المهم هو الكارثة التي يعيشها إخوتنا في السودان. من منا يهتم بكيفية بدء الصراع في الجزائر، وإلغاء نتائج الجولة الأولى من الانتخابات النيابية أوائل التسعينات. مثل هذه الصراعات التي تشق المجتمع وتصيبه في مقتل قادرة دائما على تغذية نفسها بأسباب استمرارها.
المهم في كل القصة أننا كعرب علينا إدراك وجود كارثة حقيقية يعيشها إخوتنا في العراق شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين وكلدانيين وآشوريين وازيديين.. عربا وأكرادا.. هذه الكارثة إن لم يتم محاصرتها والقضاء عليها، لن تقضي على العراق فقط بل علينا جميعا.
أسوأ سيناريو يمكن تصوره في الوضع الراهن هو أن نبدأ نحن بقية العرب في الانقسام طائفيا عندما ينحاز السني العربي للسني العراقي والشيعي العربي للشيعي العراقي، والكردي السوري للكردي العراقي.. حدوث ذلك يعني أن النموذج العراقي الراهن سوف ينتقل بكل مأساويته ليتم تعميمه عربياً.
ما يثير العجب والغيظ والحنق وكل أفعال ومشتقات الاشمئزاز هي أن غالبية العرب يتعاملون مع المأساة العراقية وكأنها تحدث في مالاوي أو موزمبيق، ولا يشعر بعضهم بألسنة اللهب المتطايرة فوقهم. تعامل البعض مع الأزمة الراهنة بأفعال الشجب والإدانة والبيانات الفارغة البعيدة عن أهمية المحافظة على وحدة العراق واستقراره شيء صار يبعث على السخرية وأقرب إلى الكوميديا السوداء.
والأغرب أنه بعد كل هذا الابتعاد الفعلي عن دور عربي حقيقي يساعد في الخروج من الأزمة يخرج علينا البعض متبجحاً ومبدياً الاستياء من تزايد الدور الإيراني أو التركي في الأزمة!. ولهؤلاء نسألهم.. ولماذا لا تفعلون أنتم مثلما يفعل الإيرانيون والأتراك كي يضمنوا تأمين مصالحهم؟!.
التحرك العربي عليه ألا يراهن على الدور الأميركي أو تطمينات واشنطن في الغرف المغلقة.. لأنه عندما سيصاب الاحتلال باليأس من نجاح مشروعه سوف يغادر العراق ليلاً.. سيترك عملاءه يواجهون مصيرهم المحتوم، وحتى إذا أصر على البقاء فسيكون عبر قواعد معزولة تضمن السيطرة على النفط وتهديد إيران وتأمين إسرائيل، وترك العراق يغرق في المجهول.
التحرك العربي ينبغي أن يشمل كل الطوائف والأعراق.. ليس هناك حكمة أو مصلحة قومية في استعداء شيعة العراق.. هم عرب أولاً وأخيراً وعلاقتهم الطبيعية ينبغي أن تكون مع أشقائهم العرب وليس مع أي طرف آخر.. الأمر نفسه مع الأكراد.. علينا أن نقنعهم بأن البقاء ضمن عراق موحد ومستقر وعادل لكل أبنائه أجدى من أي مشروع انفصالي سيكون هدفاً لكل الجيران المتربصين. هذا ما ينبغي أن نفعله.. لكن من الذي يقوم بالتنفيذ...؟ تلك بالضبط هي المعضلة!
emadiraqi@yahoo.com