يمكن للناس أن تقع في أخطاء وربما خطايا، حين لا يستطيعون التمييز بين الوهم والحقيقة سواء نتيجة الخلط بينهما، أو لأن الفواصل قد لا تزيد عن خيط رفيع، وإذا جاز أن نغفر للبسطاء من الناس وقوعهم في أخطاء عندما يختلط الحابل بالنابل، فإنه لا يجوز بأي حال أن نغفر لصناع القرار، ومن يملكون المعلومة، والقدرة على تحليل معاني وأبعاد الأحداث والقضايا.
نختلف مع من يكررون القول من المسؤولين العرب، وأحياناً، من ثمة فرصة قوية في هذه المرحلة لدفع عملية السلام وبعضهم يذهب إلى حد الاستنتاج بأن مثل هذه الفرصة متاحة من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، صحيح أن المنطقة تشهد نشاطاً مكثفاً ومتعدد الجوانب والقضايا، وأيضاً متعدد الأدوات، خصوصاً قبل القمة العربية المزمع عقدها في الرياض بالسعودية يومي الثامن والتاسع والعشرين من مارس الجاري غير أنه ليس كل ما يلمع ذهباً.
السعودية بدأت تظهر وكأنها تلعب دوراً مركزياً في هذه الاتصالات، ليس فقط لكونها دولة القمة القادمة، بل في الأساس، انطلاقاً من مكانتها السياسية والمالية وبما تملكه من شبكة علاقات إقليمية ودولية واسطة ومحترمة، وبعد نجاح المملكة في جمع حركتي حماس وفتح، ومساعدتهما على التوصل لاتفاق حمل اسم مكة المدينة التي احتضنت المفاوضات الفلسطينية،
ونجاح الفلسطينيين في تشكيل حكومة وحدة وطنية، صعدت السعودية من نشاطاتها وحركتها اتجاه أصعب الملفات في المنطقة، وهي الملف العراقي، واللبناني، والملف النووي الإيراني وبحيث تتقاطع جهودها مع المجهودات الدولية الأخرى المهتمة بهذه الملفات، ويأمل تحقيق اختراقات أخرى إيجابية على غرار اتفاق مكة بين الفلسطينيين.
كل هذه الملفات مطروحة على القمة العربية القادمة، ما يرشحها لأن تكون واحدة من أهم القمم التي انعقدت على مدى تاريخ انعقاد هذه القمم العربية، ويضع السعودية أمام تحديات ضخمة تستوجب عملاً كبيراً ومتواصلاً، لوحدها ومع شركاء كثيرين من أجل ضمان نجاح قمة الرياض. نجاح قمة الرياض لا يقاس وفق معايير القدرة على اتخاذ قرارات، والاتفاق على حلول لهذه الأزمات المعقدة والصعبة للغاية،
ذلك أن المجانين أو الواهمين هم فقط من يتوقعون أن تنجح أي قمة على وجه الأرض في معالجة هذه العقدة خلال فترة قصيرة، وإذا كان علينا أن نأخذ بالمقاييس النسبية، فإن تحقيق النجاح يكمن في تقريب وجهات النظر العربية، وفي تأمين إرادة عربية جماعية، تتحرك على مختلف الجبهات والملفات وفق رؤية عربية لا تتجاهل بطبيعة الحال المصالح والتداخلات الإقليمية والدولية، ونحو البدء بمعالجة هذه الملفات واحداً بعد الأخر وبصورة متدرجة.
إلى قمة الرياض سيذهب الفلسطينيون بحال مختلف عن حضورهم القمة السابقة، فلقد بدأوا رحلة جديدة، تدشنها حكومة وحدة وطنية، وقدر من التوافق السياسي يسمح للرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير متابعة الاتصالات واللقاءات من أجل فحص إمكانية تحريك عملية السلام، على أن تحرر الرئيس عباس من القيود التي كبلته،
وأضعفت قدرته على التحرك خلال العام المنصرم حين سادت مناخات الانقسام السياسي والاقتتال، لا يعني بالضرورة أن مثل هذا التحرك من شأنه أن يؤدي إلى انتعاش الآمال بإمكانية التوصل عبر عملية سلام، إلى تسوية مع إسرائيل، ولكن غياب التفاؤل يمنع من أن يحاول قدر المستطاع، امتلاك أجوبة حول عملية السلام ستكون مطروحة في القمة العربية وبعدها،
في هذا الإطار يكون هدف التحرك، امتلاك المزيد من أدوات الفعل على المستويين العربي والدولي، من أجل نزع المبررات، والكشف عن حقيقة، أشاح المجتمع الدولي وجهه عنها، وهي أن إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية عن تعطيل عملية السلام وأنها غير الجاهزة وغير المؤهلة لخوض مثل هذه المغامرة.
الرئيس عباس معروف التزامه بإستراتيجية السلام، ومرونته واعتداله الزائدين، إلى حد أنه مستعد لأن يقلب كل حجر بحثاً عن إمكانية وتنشيط ونجاح عملية السلام.
في هذا الإطار وربما ترجحه لتوصية القمة الثلاثية التي جمعت يوم 19/2/2007 في القدس وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، التقى الرجلان عباس وأولمرت يوم الأحد الحادي عشر من الشهر الجاري،
فكان اللقاء الثالث بينهما منذ بداية العام، والخط البياني لهذه اللقاءات التي جرى الاتفاق على مواصلتها، لا يدعو إلى التفاؤل فخلال الأول جرى الاتفاق على جملة من الإجراءات ذات الطبيعة الأمنية، لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ أياً منها، ولقاء القمة الثلاثية، كان فاشلاً وانتهى بعد ساعة من بدئه بإعلان فقير ألقته رايس أمام وسائل الإعلام يتحدث عن مواصلة اللقاءات وعن الاتفاق على رؤية الدولتين، وهو أمر لا جديد فيه.
القمة الثالثة لم تكن أفضل حالاً، بالرغم من أن تصريح الدكتور صائب عريقات المسئول الفلسطيني عن ملف المفاوضات، خرج ليتحدث عن لقاء بناء ومثمر حيث لم يتم الاتفاق سوى على مواصلة اللقاءات بانتظام ومواصلة عمل اللجان. عريقات الذي يتحدث عن لقاء بناء ومثمر سرعان ما كشف التناقض حين قال «إن النقاط الخلافية تعلقت بوجهة نظر فيما يتعلق بملف الاستيطان، والجدار والقدس وما يتعلق برؤيتنا للمستقبل في الأفق السياسي وعملية السلام».
عند هذا الحد نتساءل ما هو الإيجابي والمثمر في اللقاء، غير أن ما تسرب عنه للصحافة يشير إلى أن اللقاء كان فاشلاً ومحبطاً بامتياز. لقد رفضت إسرائيل تغيير موقفها السلبي من التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية، وهي تواصل تحريض المجتمع الدولي من أجل إبقاء الحصار المفروض على الفلسطينيين والحكومة بما في ذلك من تعتبرهم معتدلين،
ورفضت إسرائيل أن تمتد التهدئة التي تم الاتفاق عليها سابقاً بشأن غزة لتشمل الضفة الغربية، ذلك إن وافقت ستكون فقدت الغطاء اللازم الذي تعمل تحت دخانه لمتابعة فرض وتغيير الوقائع على الأرض فيما يتصل بالجدار والاستيطان وتهويد وعزل القدس وتهديد مقدساتها ومعالمها الأثرية والحضارية والتاريخية، وترفض إسرائيل تخفيف الإجراءات والحواجز والقيود، والإغلاقات التي تفرضها على حركة الفلسطينيين.
وعدا عن ما ذكره من خلاف سياسي الدكتور عريقات فإن حديث المسؤولين الإسرائيليين أولمرت، وتسفي ليفني عن إيجابيات في المبادرة السعودية (المبادرة العربية) وعن استعدادهم للتعامل معها، لا يقلل من أهمية الشرطين المطروحين على المبادرة وتسعى إسرائيل وتأمل من القمة العربية الاستجابة لها.
إسرائيل ترفض في المبادرة السعودية، البند الذي يتعلق بعودة اللاجئين، والبند الذي يتعلق بالحدود وبمعنى آخر الاستيطان. وإذا كان العرب يرفضون هذه الشروط لأنهم في حال قبوله، سيكونون كمن يبصم بالأصابع العشرة على الرؤية الإسرائيلية للسلام، فإن الحديث عن إيجابيات المبادرة السعودية يصبح لغواً فارغاً.
فضلاً عن ذلك يعلن المسؤولين الإسرائيليين أن السلام غير ممكن قبل أن يتم تطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية. في ضوء ما تقدم، وفي ضوء ضعف الحكومة الإسرائيلية، وإذا كان خيار السلام مغلقاً في الظروف الراهنة، فإن الخبرة التاريخية تجعلنا نعتقد أن إسرائيل أمام خيار تصعيد العدوان خصوصاً على قطاع غزة بذريعة باتت تطرحها مؤخراً مفادها أن قطاع غزة يتحول إلى جنوب لبنان آخر،
وأن الفصائل تملك قوة مسلحة متزايدة وأسلحة شبيهة بما لدى حزب الله. وفي ضوء ترجيح اندلاع حرب أخرى أو عدوان واسع وكبير، ينبغي الانتباه إلى ضرورة حشد الإمكانيات من أجل مجابهة هذا التحدي، والذي قد يتطلب أيضاً مواصلة وتصعيد العمل والتحرك السياسي.
كاتب فلسطيني